تنامي ظاهرة التكتلات الاقتصادية عالمياً انعكاسها على تجارب التكامل الإقليمي في العالم الثالث
(دراسة على الاتحاد الأفريقي)
المقدمة: يعيش عالم اليوم متغيرات عديدة تستوجب من الدول النامية النظر مرة أخرى في مسارها التنموي، حيث أصبح من المستحيل أن تحقق دولة ما متطلباتها التنموية بجهد منفرد دون أن تلجأ إلى غيرها من الدول لتبادل وتقاسم المنافع المشتركة، كما أن هذه المتغيرات العالمية المتلاحقة لا تخلو من بعض المخاطر والمخاوف ولا تستطيع الدولة بمفردها تحمل تلك المخاطر، بل إن المخاطر تقل كلما كان التعاون هو السائد بين الدول. لذا نجد التوجه الدولي نحو الإقليمية يتزايد يوما بعد يوم، وأصبحت الدول الكبرى تلوذ بمحيطها الإقليمي وتوسعه. حيث نجد الولايات المتحدة تنشئ منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا)، وتدعو لإنشاء منطقة تجارة حرة للأمريكيتين، وتجعل من المحيط الباسيفيكي امتداداً إقليميا لها من أجل الدخول في تكتل مع بعض الدول الآسيوية وأستراليا. وفي أوروبا بعد تحقيق الحلم الأوروبي الكبير والعمل على ضم كل الدول الأوروبية-شرقية وغربية-بدأ الكلام عن "مبادرة العمالقة" عبر الأطلسي بين الأوروبيين والأمريكيين. ولم يقتصر هذا التوجه المتزايد نحو الإقليمية على هاتين القارتين بل تعدى إلى آسيا وأخيرا إلى أفريقيا. إن تنامي ظاهرة التكتلات الاقتصادية بهذا الشكل-إضافة إلى الوضع الصعب الذي تعيشه القارة الأفريقية-هو ما جعلنا نبحث في هذا الموضوع محاولين إبراز العلاقة بين تنامي هذه الظاهرة وقيام تكتلات إقليمية في العالم الثالث خاصة في قارة أفريقيا. وماهي فرص نجاح تكتل أفريقي في ظل هذه الظاهرة؟ ومن أجل ذلك تم تقسيم الموضوع إلى المحاور التالية: - تمهيد:يتناول نظرة شاملة عن التكامل من حيث المفهوم والمقومات والأساليب. - المحور الأول:وقد تناول واقع وآفاق ظاهرة التكتلات الاقتصادية. - المحور الثاني:وقد تناولنا فيه بعض التجارب التكاملية في العالم الثالث محاولين التعرض لأسباب فشلها. - المحور الثالث:وقد تناول الاتحاد الأفريقي الفرص والتحديات في عصر التكتلات الاقتصادية، وقد تناولنا الاتحاد من حيث النشأة والأهداف، ومن حيث المقومات الاقتصادية كمحفز داخلي على قيام هذا الاتحاد، ثم تنامي ظاهرة التكتلات والعولمة الاقتصادية– بشكل عام- كمؤثر خارجي يمثل التعامل معه تحديا وفرصة- في نفس الوقت-للاتحاد الأفريقي، ويتوقف مصير الاتحاد على مدى نجاحه في التعامل مع تلك المتغيرات بحكمة وذكاء.
تمهيد: يعتبر التكامل الإقليمي بين الدول النامية جانباً-من جوانب عديدة-يدخل في استراتيجية التنمية، إذ يستحيل تحقيق تنمية مستقلة-في مواجهة نظام دولي يرفض هذا التوجه بإمكانية قطرية فردية. ومن هذا المنطلق استمدت فكرة التكامل شرعيتها ومبرراتها حتى غدت توجها عالميا لا يخص الدول النامية بقدر ما يخص الدول المتقدمة. ولم يكن التكامل الاقتصادي مفهوما سهل التحديد فقد اختلف الكتاب الاقتصاديون على تحديد مفهوم متفق عليه بخصوصه، ودون أن ندخل في جدلية تحديد مفهومه نأخذ أحد تلك التعاريف، والذي يرى أن مصطلح التكامل يعني "قيام مجموعة من المفردات بالتجمع في كيان واحداً"(1) وينطوي هذا التعريف على ستة أبعاد يمكن تلخيصها فيما يلي: * البعد الأول:يتعلق بطبيعة المفردات التي يجري التكامل بينها. * البعد الثاني:ينصب على نوع النشاط الذي يجري التكامل بشأنه من بين أوجه نشاط هذه المفردات. * البعد الثالث:يرتبط بما سبق وهو إمكانية تعدد صيغ التكامل مع اختلاف المفردات ونشاطاتها. * البعد الرابع:أن هذا التوجه يتخذ صفة الديمومة، وهو ما يميزه عن ترتيبات مؤقتة تنتهي في أجل محدود. * البعد الخامس:هو أن التكامل يتحقق بتراضي الأطراف المعنية، وبالتالي فهو لا يشمل حالات الضم بالقوة . * البعد السادس:هو أنه لابد من شعور المفردات بجدوي التكامل في تحقيق غاياتها بشكل أفضل من ذلك الذي توفره الأسس البديلة لتنظيم العلاقات فيما بينها. وقد تكون المفردات المشمولة بالتكامل هي المنشآت الإنتاجية العاملة في قطاع معين أو في عدد معين من القطاعات الواقعة في نطاق جغرافي معين داخل الدولة، وقد يمتد ليشمل أوجها مختلفة من النشاط الاقتصادي لأقطار مختلفة، أو يتسع ليشمل مجمل النشاط الاقتصادي فيها. وإذا كانت هذه الدول تقع ضمن إقليم واحد فإننا نكون بصدد تكامل إقليمي يمكن أن يقود إلى وحدة سياسية تشمل مختلف أوجه الحياة الإنسانية (اقتصادية، وثقافية، وسياسية)، فإذا اقتصر الأمر على بناء وحدة اقتصادية بين دول الإقليم فإننا نكون بصدد تكامل اقتصادي قد يكون مقصوداً بحد ذاته أو باعتباره خطوة إلى اندماج في اقتصاد أكثر شمولية منه (إقليمي أو عالمي)، وقد يكون مرحلة تستهدف تعزيز الحركة نحو وحدة سياسية. ولعل كل ماسبق يقودنا إلى القول إن التكامل الاقتصادي هو عملية سياسية واقتصادية مستمرة باتجاه إقامة علاقات اندماجية متكافئة لخلق مصالح اقتصادية متبادلة وتحقيق عوائد مشتركة مناسبة من خلال الاستغلال المشترك لإمكانيات وموارد الأطراف المساهمة بغية خلق مزيد من التداخل بين الهياكلها الاقتصادية لصالح تعزيز تنميتها-محليا إقليميا-وبلوغ درجة من الاندماج فيما بينها تصل في صورتها المثلي إلى الوحدة الاقتصادية وتكوين كيان اقتصادي واحد يسعى إلى أهداف اقتصادية معينة. إن التكامل ليس مجرد ظاهرة اقتصادية عرفها الاقتصاد الدولي بقدر ما هو توجه أصيل ودائم تسعى إليه دول العالم باختلاف مراحل تطورها وحجم مواردها وتباين دوافعها. وتهدف التكتلات الاقتصادية إلى أهداف عديدة-ليست بالضرورة كلها اقتصادية-بل قد تكون سياسية واجتماعية وعسكرية. ويمكن أن نوجز أهم تلك الأهداف في(2): 1. الحصول على مزايا الإنتاج الكبير: حيث إن اتساع حجم السوق يشجع على توجيه الاستثمارات توجيها اقتصاديا سليما، وإعادة تكوين الحركة الحرة للسلع ورأس المال والعمل من دولة إلى أخرى من خلال إزالة العوائق التي تحول دون ذلك. 2.تيسير الاستفادة من مهارات الفنيين والأيدي العاملة بصورة أفضل على نطاق واسع، حيث من المفروض أن التكتل يؤدي إلى تقسيم العمل الفني والوظيفي. 3. تسهيل عملية التنمية الاقتصادية:حيث إن هذه العملية تصبح أسهل وأيسر بعد قيام التكتل، إذ إن الاستفادة من اتساع السوق ووفرة عنصر العمل تؤدي إلى خلق فرص جديدة تعمل على النهوض بالإنتاج والاستثمار والدخل والتشغيل. 4. كما أن التكتل الاقتصادي يؤدي إلى تنويع الإنتاج بطريقة اقتصادية، وهذا قد يحمي اقتصادات الدول الأعضاء من بعض الانتكاسات والتقلبات والسياسات الأجنبية. 5. رفع مستوى رفاهية المواطنين، حيث يفترض أن التكامل الاقتصادي يمكن المستهلكين من الحصول على السلع الاستهلاكية بأقل الأسعار الممكنة نظراً إلى إزالة الرسوم الجمركية من ناحية وإلى تخفيض تكاليف الإنتاج الناتجة عن توسيع رقعة السوق من ناحية أخرى. 6. التقليل من الاعتماد على الخارج وهذا مايؤدي إلى محدودية التأثر بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمعات خارج هذه المنطقة، خصوصا إذا كان العمل التكاملي قد وصل إلى مرحلة متقدمة-اتحاد جمركي على الأقل-حيث يحل التبادل الاقتصادي داخل المنطقة التكاملية محل الانفتاح على العالم الخارجي نتيجة وجود الحواجز الجمركية وغيرها من السياسات المالية والنقدية التي تحد من حرية الانفتاح على الخارج.
مقومات التكامل الاقتصادي: ينبغي أن يستند التكامل الاقتصادي إلى مقومات أساسية تعزز قيامه وتضمن له البقاء والاستمرارية. ومن هذه المقومات ماهو اقتصادي ومنها ما هو سياسي أو ثقافي، فمن الناحية السياسية ينبغي أن تكون الأنظمة السياسية متقاربة من حيث الفلسفة والتوجهات الاديولوجية، ذلك أن عدم التماثل بين الدول في طبيعة أنظمتها السياسية شكل أهم عائق في وجه معظم التجارب التكاملية في العالم في حين ساعد التماثل في الأنظمة السياسية لمعظم الدول-التي سعت إلى إقامة تكامل-في نجاح تكاملها. كما أن المقومات الثقافية تعتبر عاملا أساسيا ومهما بين الدول المتكاملة، ذلك أن اختلاف العادات والتقاليد والقيم والدوافع الاجتماعية يمكن أن يؤدى إلى إعاقة التكامل إلى حد بعيد، وفي نفس الوقت فإن وجود تقارب في هذه المقومات يؤدي إلى وجود فرص أكبر لنجاح التكامل وفاعليته. وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه المقومات وإن كانت مهمة لنجاح عملية التكامل خصوصا إذا وصل إلى مراحله المتقدمة-السوق المشتركة، والوحدة الاقتصادية-والتي تمتزج فيها عوامل الإنتاج المختلفة والتي تتطلب وجود مثل هذا النوع من الانسجام والتألف، إلا أن هذه المقومات ليست وحدها كفيلة بنجاح أي تكامل بل إن بعض التجارب التكاملية الناجحة لم تولِ لها اهتماما كبيراً، وخير مثال على ذلك الاتحاد الأوروبي حيث وصل هذا الاتحاد إلى هذه المراحل المتقدمة من التكامل الاقتصادي رغم أن سكان المنطقة ينحدرون من أجناس مختلفة ما بين لاتينيين، وجرمان، وسكسون يدين معظمهم بالدين المسيحي-على مذهبين مختلفين:كاثوليك وبروتستانت- ويتكلمون سبع لغات مختلفة في أصولها اللسانية وفي قواعدها اللغوية وفي طابع إنتاجها الفكري، زد على ذلك أن التاريخ فرق بينهم حيث شهدت بلادهم ثلاث حروب كبرى في أقل من ثمانين عاما-مابين (1870م-1940م)- ورغم هذه الحروب والفوارق المشهودة بين الأجناس توصلت أوروبا إلى التوافق ورجحت كفة بناء المستقبل على كفة أحقاد الماضى، واتخذت من البناء الاقتصادي سبيلا إلى ذلك. معتمدة على الدراسات الجادة في هذا المجال. وهذا ما يبرهن على الدور الفعال للمصالح المشتركة وأهميتها إلى جانب المقومات الاقتصادية في نجاح أي مشروع تكاملي جاد. أمام مقومات الاقتصادية المشار إليها التي تعتبر ضرورية لقيام أي تكامل ناجح فيمكن إيجازها في(3): * توفر الموارد الطبيعية:وهو عامل أساسي لنجاح التكامل، حيث إن عدم توفر الموارد الطبيعية بشكل كاف لدى بعض الدول قد يعتبر حافزا على دخولها في تكامل مع غيرها من الدول التي تتوفر على مثل تلك الموارد محاولة الاستفادة من وفرة الموارد الطبيعية التي قد تنجم عن التكامل الاقتصادي. فمثلا قد تكون بعض الدول تتوفر لديها إمكانيات زراعية واسعة تمكنها من زيادة الإنتاج الزراعي وتطويره، في حين تتوفر لدى البعض الآخر ثروات معدنية يمكن أن تشكل أساسا لتطوير الصناعة، وقد يكون للبعض الآخر مناخ ملائم يجعله بلداً سياحياً...الخ، وعند قيام التكامل بين هذه الدول-تكامل لموارد-فإنه يخلق جوا يمكن من توسيع الإنتاج من السلع والخدمات ويؤدي إلى تطوير النشاط الاقتصادي عموما، والتكامل في هذا المجال يستند إلى مبدأ التخصص وتقسيم العمل الذي يسمح بوفرات الإنتاج والحجم الكبير على أساس الميزات النسبية التي تتمتع بها كل دولة من الدول المتكاملة. وفي هذا المجال ينبغي أن نشير إلى أن مسألة التماثل والاختلاف في نوع الموارد أمر نسبي، فعلى سبيل المثال قد تكون منطقة ما متماثلة في الموارد بوصفها منطقة موارد طبيعية-مثل منطقة أفريقيا أو الوطن العربي– بينما تكون منطقة أخرى ذات موارد بشرية-مثل منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا-،وفي المنطقة الأولى يمكن التمييز بين منطقة موارد زراعية ومائية ومنطقة موارد طبيعية غير زراعية، وفي إطار هذه الأخيرة يمكن التمييز بين منطقة موارد معدنية ومنطقة موارد نفطية وهكذا(4). * توفر عناصر الإنتاج اللازمة للعملية الإنتاجية:ويبرز هذا الجانب أهمية عنصر العمل الاختصاصي والفني الماهر لأهميته بالنسبة للعملية الإنتاجية وتحقيق الكفاءة فيها، حيث إن هذا العنصر ضروري لنجاح التكامل-كما أن التكامل يعمل على تنميته-خاصة في ظل التطور التكنولوجي والحجم الكبير حيث تبرز أهمية العمل المتخصص والفني كمتطلب أساسي لا غنى لتحقيق الكفاءة المثلي للموارد المستخدمة ولأداء النشاطات الاقتصادية عموما بالشكل الذي تتحقق معه زيادة لإنتاجية وتحسين كفاءة الأداء. * توفر البنية الأساسية:وقصد بها الطرق ووسائل النقل والاتصال...الخ إذ يبرز هذا المقوم كعنصر هام في نجاح أي تكامل اقتصادي، لأنه حتى في ظل توفر حرية انتقال السلع والخدمات وعناصر الإنتاج فإن مدى التكامل وفاعليته تبقى محدودة مادامت الدول المتكاملة افتقرت إلى طرق ووسائل نقل بينها، لأن محدودية هذه الوسائل تؤدي إلى ضعف مدى الاستفادة من مزايا التخصص وتقسيم العمل بين الدول والقائمة على التكاليف النسبية في الإنتاج، بحيث تؤدى إضافة كلفة النقل المرتفعة إلى ارتفاع أسعار بعض السلع مما يؤثر في قدرتها التنافسية أمام سلع أخرى قد تكون أقل كفاءة إنتاجية، وهذا معناه تضرر المنتج الكفء لمصلحة المنتج غير الكفء نتيجة تكاليف النقل المرتفعة. كما أن ضعف وسائل الاتصال عبر قنواتها العديدة السلكية واللاسلكية يجد من إمكانية التعرف على الأسواق الذي يشكل الأساس الذي يتم الاستناد إليه في انتقال وحركة عناصر الإنتاج والسلع والخدمات، وهو بدوره ما يؤدي إلى الحد من الاستفادة من مزايا التخصص وتقسيم العمل. لعل ما سبق من ذكر المقومات الأساسية للتكامل الاقتصادي يثير أمامنا تساؤلا أساسياً يدور حول سبل نجاح مشروع تكاملي في القارة الأفريقية على الأقل من باب إمكانية توفر تلك المقومات من عدمه. ومع أن هذا التساؤل ليس الرئيسي في هذه الدراسة فإن الإحاطة به ضرورية لتدعم الإجابة عن التساؤل الرئيسي للدراسة المتمثل في مدى تأثير تنامي ظاهرة التكتلات الاقتصادية في قيام الاتحاد الأفريقي كمشروع تكاملي برز إلى الوجود-مؤخرا-في ظل زحمة التوجه إلى تلك التكتلات. وهذه الأسئلة وغيرها سنناقشها في المحاور اللاحقة من هذه الدراسة . أولا-واقع وآفاق ظاهرة التكتلات الاقتصادية: 1. ظروف نشأة التكتلات الاقتصادية: لقد كان لإنتهاء الحرب الباردة في النصف الأول من التسعينيات وما رافقها من تحركات على الصعيد العالمي-تهدف إلى إعادة رسم خريطة العالم الاقتصادية والسياسية وصياغة نسق العلاقات الدولية في إطار ما يسمى بالنظام الدولي الجديد-أثر واضح على المستوى العالمي، وتختلف طبيعة هذا الأثر حسب ما إذا كانت الدولة نامية أم صناعية. ومن أهم تلك المتغيرات التي أثرت في العالم أجمع ما شهده العالم يوم الخامس عشرة من أبريل سنة 1994حيث تم التوقيع من طرف مائة وإحدى عشر دولة على اتفاقية "مراكش" لإنشاء منظمة التجارة العالمية إيذانا لوضع معالم التنظيم الدولي للتجارة وتدويل الحياة الاقتصادية أو ما يسمى بالعولمة التي إلى جانب وجهها الاقتصادي لها أوجه أخرى سياسية، وثقافية وحتى اجتماعية(5). وهذه العولمة-حسب رؤية بعض الكتاب-ليست إلا "مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية تتميز بالانتقال التدريجي من الاقتصاد الدولي-الذي تتكون خلاياه القاعدية من اقتصادات متمحورة على الذات ومتنافسة-إلى الاقتصاد العالمي القائم على أنظمة إنتاجية كونية...وإدارة اقتصادية شديدة للعلاقات الاقتصادية العالمية"(6). إن العولمة إذاً تهدف إلى جعل الاقتصاد العالمي مترابطا ومتشابكا وذلك من خلال اندماج الأسواق العالمية في حقول التجارة والاستثمار المباشر وانتقال الأموال والقوى العاملة والتكنولوجيا ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وهذا مايؤدى إلى خضوع العالم لقوى السوق العالمية ومايصاحبها من اختراق للحدود القومية وانحسار كبير في سيادة الدولة عائد إلى أن مقومات السيادة الاقتصادية أصبحت عالمية بدلا من مقومات السيادة الاقتصادية الوطنية. وتختلف العولمة بهذا المفهوم عن مفهوم الاقتصاد الدولي "العالمية" الذي يركز على العلاقات الاقتصادية بين الدول ذات السيادة، أي أن الدولة تشكل العنصر الأساسي في مفهوم العالمية في الاقتصاد الدولي في حين أن الشركات عابرة القوميات تشكل العنصر الأساسي في مفهوم العولمة(7). ويتجلي دور الشركات عابرة القوميات من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوزيع العملية الإنتاجية وتكاملها، إضافة إلى دورها البارز في إشاعة نمط استهلاك محدد وثقافة استهلاكية موحدة على صعيد العالم مستخدمة في ذلك سيطرتها على مؤسسات الاتصال والإعلام والإعلان العملاقة. وعن حجم وعدد هذه الشركات يفيد تقرير الاستثمار في العالم أنه حدث توسع هائل في عدد هذه الشركات خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من 7000 شركة سنة 1970 إلى 37000 شركة تعمل من خلال 200 ألف فرع في مختلف أنحاء العالم عام 1995، ثم إلى 65000 شركة سنة 2000 ومايقارب 85000 شركة منتسبة لها موزعة على مختلف أنحاء العالم(8). وقد تضاعفت مبيعات هذه الشركات أكثر من مرتين بين عامي 1970 و1992 فزادت من 2,4 تريليون دولار إلى 5,5 تريليون دولار، وتجاوزت القوة المالية للعديد من هذه الشركات القوة الاقتصادية للعديد من الدول(9). وإذا نظرنا إلى التوزيع الجغرافي لهذه الشركات نجد أن 418 شركة عابرة للقوميات من أصل 500 شركة هي الأكبر في العالم توجد مقارها الرسمية في واحدة من 18 دولة عضواً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)(*)، مع العلم أن هذه المنظمة تمثل أساساً الدول الرأسمالية الأكثر أهمية على مستوى العالم. كما أن الأغلبية الساحقة لمقار الشركات متعددة الجنسية موزعة تقريبا بين ثالوث جغرافي: الولايات المتحدة الأمريكية 153 شركة، الاتحاد الأوروبي 155شركة، واليابان 141 شركة، ومن المعرف أن هذه الدول كلها دول صناعية كبرى(10). إن العرض السابق لظروف النظام العالمي التي تبين مدى سيطرة الرأسمالية العالمية على الساحة الاقتصادية من خلال النمو المتسارع لظاهرة العولمة وبروز معظم تجلياتها من خلال هيمنة الشركات عابرة القوميات على النشاط الاقتصادي العالمي، والعمل على ترسيخ ذلك وإضفاء الشرعية عليه من خلال المصادقة على اتفاقية التجارة الدولية، كل ذلك جعل الدول-في مختلف أنحاء العالم المتقدم منه والنامي-تفكر بل تعمل على خلق إطار خاص للتعاملات الاقتصادية خاصة التجارية منها على شكل تكتلات اقتصادية معظمها على أساس إقليمي. ومع أن التوجه إلى التكتلات الاقتصادية ظاهرة قديمة، فإن تنامي هذه الظاهرة بالشكل المشهود حاليا هو الجديد في المسألة، ومن المعتقد أن سببه يرجع إلى ظروف الاقتصاد الدولي الحالي التي سبقت الإشارة إليها. وفي النقطة الموالية سنناقش واقع هذه التكتلات الآن ومدى تناميها عالمياً. ثانياً-تنامي التوجه إلى التكتلات الاقتصادية وآفاقه المستقبلية: لاتعد ظاهرة التكتلات الاقتصادية ظاهرة حديثة، بل ترجع-على الأقل-إلى بداية القرن العشرين وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الجديد في الموضوع هو تنامي وسرعة التوجه إلى إنشاء هذه التكتلات أو الدخول فيها خصوصا من قبل الدول المتقدمة. حيث يمكن القول إن تنامي هذه الظاهرة في العقد الأخير من القرن العشرين جعل منها سمة أساسية من سيم النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ويعتقد البعض أن جذور الظاهرة ترجع إلى التغيرات التي اعترت الوضع الاقتصادي العالمي في السبعينيات التي تمثلت في انهيار نظام ابريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة للعملات، والتحول إلى نظام أسعار الصرف العائمة وما صاحب ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات