مدخل:
إن تفعيل العملية التربوية للطفل تعد من القضايا المهمة التي أولتها النصوص الدينية عناية كبيرة لما لهذه المرحلة من أثر بالغ في تكون الشخصية المستقبلية للطفل حيث يبدأ التبلور لهذه الشخصية في السنوات الأولى من عمره، والخط الذي تمهده الأسرة في هذه المرحلة بالذات يبقى راسخة قوية في العقل الباطن للطفل تؤثر فيه من خلال منطقة اللاوعي لديه، فتكون منه شخصية قيادية أو شخصية مهزوزة فاقدة للثقة بنفسها.
ولعل منها جاءت الروايات والنصوص الدينية تؤكد ضرورة التخطيط والعمل المنهجي لهذه الفترة، لما تمتاز به من سهولة التعامل وسرعة القابلية، والفطرية الدينية الأساس المتين للطفل ما لم يكن للأسرة دور في إبعاد الطفل عن جذره الدينية، يقول الرسول :«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه إما أن يهودانه أو ينصرانه»، فإذا قرأنا الحديث ببعده العام فإنه يعني التيار الفكري والتربوي الذي يخطانه له، وهو إشارة واضحة للأثر الذي خلفه مسار التربية على تكوين الطفل وشخصيته.
وقد أبدع النبي في صنع وبناء الشبيبة المسلمة في عهده عبر وضع الأسس والقوانين التي تضمن سلامة جيل المستقبل، وتحدد له طريقه وخطه بعيداً عن عوامل التحريف والتزوير، وقد تجسدت هذه التعاليم في مختلف القواعد التي مثلتها أقواله وكلاماته المضيئة، فالمجتمع المتقدم والمتحضر ليس من يسير خبط عشواء، ولا من تتقاذفه الاتجاهات والتيارات يمنة ويسرى وإنما هو من يمتلك رؤية واضحة وهدف يتجه إليه، وهذا ما كان النبي يخلقه في أمته طوال سني بعثته، وما سنحاول خلال السطور القادمة أن نبينه من خلال أحاديث الرسول الأكرم ومواقفه التي كانت بمثابة مدرسة تتلمذ عليها الأجيال على مدى العصور المتعاقبة.
سمات التربية النبوية:
تجلت خلال السيرة النبوية، والتوجيهات التي صدعت بها كلامات الرسالة عن عدد من السمات والملامح التي ظهر من خلال الرؤية النبوية في كيفية صياغة شخصية الطفل وطرق تحديد المسار التربوي لتنشئة الطفل، وهي عبارة عن مجموعة من التعليمات والخطوط العامة سيقت كي تخلق الرؤية للوالدين عن الخطوط العريضة التي ينبغي التركيز عليها قبل البدء في العملية التربوية التي تحمل درجة متناهية في الدقة.
فقد يخطئ الأبوين عندما يظنان إن العملية التربوية تعني الصرامة والحزم مع الطفل، والتي تعني بالتالي حرمان الطفل من طفولته وشخصيته التي جبله الله عليها، وإنما العملية التربوية هي بدرجة كبيرة وفق المنهج النبوي تعني فهم المرحلة وامتلاك القدرة على التوازن بين طبيعة المرحلة، وبين الأسس الدينية والفكرية التي تضمن نجاح العلمية التربوية على المدى البعيد وعدم انحرافها وانجرافها أمام رياح التغيير التي في كثير من الأحيان لا تحمل نية حسنة في أهدافها، كما أنها عصمة من العبثية التربوية التي لا تمتلك خطة مسبقة أو أعدد للوصول إلى هدف واضح من خلال بناء شخصية الطفل.
والشيء المهم في هذه التعليمات النبوية أنها صادرة عن المربي الأول، والواسطة بيننا وبين تعاليم السماء، ومن يمتلك رؤية واضحة في قواعد بناء الشخصية الرسالية , والتي تقودنا في نهاية المطاف إلى خلق الشخصية القيادية وتسهم بشكل حقيقي في بناء جيل المستقبل، ويمكن تلخصيها في الأسس التالية:
الأساس الأول: الشمولية:
مما يميز الرؤية التربوية للنبي محمد أنها رؤية فوقية تجول بفكرها إلى مختلف مناحي الحياة فتخوض عبابها، فهي تسطح جانب دون جانب، ولا تكرس جهة على حساب الجهات الأخرى، وإنما تنظر بعين شمولية لشخصية الطفل، وتؤكد أن المربي يقع على عاتقه إنه مكلف بعدة جوانب:
أولاً: أنه مربي، والتربية تقتضي الرقة والدقة.
ثانياً: إن العملية التربوية هي مسألة دينية وتكليف شرعي كما الصلاة والصيام.
ثالثاً: لا يمكن أن تنجح التربية ما لم تتسم بالإخلاص والجد: «وأحسنوا آدابكم».
رابعاً: إن التأديب يعني المتابعة لجميع مناحي السلوك الإنساني وتوجيهها، فهي علمية شمولية، توازنية.
يقول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في تأكيد التربية بكافة جوابها «لئن يؤدب أحدكم ولداً خير له من أن يتصدق بنصف صاع كل يوم».
ولعل عملية المقارنة بين الصدقة والتربية للطفل وصقل شخصيته، ومن ثم الانتصار لكفة التربية، هو تصحيح للتدين الأجوف الذي يفصل الدين عن الحياة الإنسانية والاجتماعية، وإن التدين هو مجرد تعاليم عبادية أن علمها المكلف نال الدرجة الأسمى.
وقال أيضاً في حديث آخر: «أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم».
الأساس الثاني: النزول إلى مستوى الطفل «التصابي»:
الخطوة الأولى لفهم الطفل، والولوج إلى قلبه وعالمه هي النزول إلى مستواه، والتحدث إليه بلغته وطريقة تفكيره، فالطفل لا يدرك المصطلحات الفلسفية، ولا يفهم النظريات العلمية، فهو بحاجة إلى عقلية تتماهى مع ما لديه من قدرات، وتفهم الميولات النفسية التي غرسها الله في شخصيتة، فالله خلق لكل مرحلة سنية طبيعتها وسماتها، وهذا أمر لا يمكن تخطية أو تجاوزه، لأنه يعني سلب الطفل من طفولته، ودفعه إلى خلاف شخصيته، مما يسبب له في نهاية الأمر انفصام في الشخصية، وهو أمر لا يرتضيه الدين ولا العقل والمنطق.
وقد عالج الرسول هذه المعضلة النفسية للطفل بالحث على عملية التصابي وخلق عقلة بين الكبير والصغير، فالطفل لا تنجح العملية التربوية القسرية معه وإنما هو بحاجة إلى توجيه هادئ وبسيط ينسجم معه فكره وسنه
يقول الرسول الأكرم في كلمة رائعة: «من كان عنده صبياً فليتصاب له»[1] .
ويتخطى الرسول هذا التوجيه النظري إلى المنهج السلوكي والعملي من خلال سيرته وطريقته من الأطفال.
ففي الحديث «عن يعلي العامري أنه خرج من عند رسول الله إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي أمام القوم، ثم بسط يديه،فطفر الصبي ها هنا مرة وها هنا مرة.
وجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه، ووضع فاه على فيه وقبله» [2] .
وهذا يقودنا إلى رسالة أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبعثها إلى أصحابه من خلال هذا الموقف الرائع والمؤثر:
أولاً: إن التصابي للطفل من أقصر الطرق للوصول إلى قلب الطفل وكسب وده ومحبته.
ثانياً: إن اللعب مع الأطفال لا يخل بشخصية الرجل ولا ينزل من قيمته ومكانته الاجتماعية، وإنما هي دلالة على وعيه وسعة إدراكه، وهو بذلك يؤسس نظرية تربوية في العلاقة بين الكبير والصغير قائمة على المودة والمحبة، خلاف ما كان سائداً في المجتمع الجاهلي الذي أخذ عنه الجفوة والجفاف مع شريحة الطفولة.
ثالثاً: إن مراعاة نفسية الطفل وعدم خدشها مسألة هامة، حتى لو كان على حساب تأخير موعد أو دعوة، فالكبير يمكن أن يتفهم، أما الطفل فهو نفسية شفافة وحساسة ينبغي مراعاتها، وإعطائها حقها من الطفولة.
الأساس الثالث: الربانية:
«من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بآذان الصلاة، وليقم في اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم»[3]