كيف تحول من بلد عربي ينشغل بقضية الأمة العربية، بقدر انشغاله بنفسه، ويهتز ألماً وتضامناً مع كل مأساة تصيب هذا القطر العربي أو ذاك، مهما صغرت تلك المأساة، حيث نجده يتحرك بدبلوماسيته النشطة، سعياً للتخفيف من تلك المأساة، وللتعبير عن مواقفه العربية التضامنية الأصيلة والصادقة. أقول كيف تحولت الجزائر من بلد عربي هكذا شأنه، إلى بلد نراه يتقوقع على الذات لا يدري كيف يلعق جراحه النازفة يوماً بعد يوم وعاماً بعد آخر.
هل نكون مغالين لو قلنا: إن الجزائر قد تحولت عبر أكثر من عقد من الزمان إلى ذبيحة بحق، والذابحون لا يرحمون الجزائر أرضاً وشعباً. فهل تقوم بعملية الذبح سكين واحدة أم سكاكين تنتمي إلى جهات متعددة..!!؟.
منذ بداية الأحداث، أصبحت أصابع الاتهام تشير بصراحة ووضوح إلى "الإسلاميين" باعتبارهم الفئة "الإرهابية" التي تريد أن تقوض أركان الدولة العسكرية الجديدة بعد الإطاحة بحكم الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. إنني هنا لست بصدد نفي أو إثبات هذا الاتهام الذي يوجه "للإسلاميين" ولكنني معنيّ أولاً وأخيراً بتلمس مواطن الحقيقة ووضع النقاط على الحروف، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
ولذلك سوف أعود إلى الوراء قليلاً لأتحدث باختصار عما جرى بعد الانتخابات الديمقراطية التي حدثت في أواخر عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث كانت نتائج الانتخابات البلدية في مرحلتها الأولى بمثابة الصاعقة، إذ نالت جبهة الإنقاذ الوطني معظم المقاعد، إن لم نقل كلها في كافة مناطق الجزائر. وكان من المفروض أن يعقب ذلك انتخابات مكملة للمجالس البلدية ومن ثم تحصل انتخابات تشريعية عامة. إلا أن انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة الجزائرية التي كانت ترعى العملية الديمقراطية، وعلى رأسها الشاذلي بن جديد.
وكان من الطبيعي أن تنقسم الآراء، سواء في داخل الجزائر أو خارجها، بين مؤيد للإطاحة بتلك التجربة الديمقراطية، خوفاً من وصول "الإسلاميين الأصوليين المتزمتين" إلى الحكم. وبالتالي وصول دكتاتورية جديدة، تتمثل بجبهة الإنقاذ، ما دامت هي الجهة الوحيدة التي سوف تحكم الجزائر باعتبارها سوف تنال معظم مقاعد المجلس التشريعي، فيما لو تمت الانتخابات، ولن تسمح لأية جهة سياسية أخرى لمشاركتها الحكم، وبالتالي سوف تفرض منهجها الاعتقادي الديني على كافة المناحي الحياتية؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من المناحي.
إضافة إلى أن استلام تلك الفئة "جبهة الإنقاذ الوطني" قد يشكل خطراً على الأنظمة العربية، ولا سيما المجاورة للجزائر، كما يشكل قلقاً كبيراً على الدول التي تسعى لمحاربة الإسلام من الدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، داخل بلادها أو خارجها، على اعتبار أن الإسلام يشكل خطراً على مصالحها الاستراتيجية.
وهناك من يستنكر وأْدَ تلك العملية الديمقراطية من منطلق أن استلام جبهة الإنقاذ الحكمَ في الجزائر يُعدّ بمثابة أمل كبير بالعودة إلى منابع الإسلام الأولى، وتطبيق حكم الإسلام انطلاقاً من الأصول الإسلامية التي كانت سائدة قبل ألف وأربعمائة عام.
وقد جاء على ذكر هذا الرأي، تعميماً لا تخصيصاً، الدكتور أحمد كمال أبو المجد في مقالته:
"الحركات الإسلامية والحكومات" وهي واحدة من مجموعة من المقالات لكتاب وباحثين متخصصين، ضمّها كتاب العربي "رؤى إسلامية معاصرة".
فأبو المجد يرى أن الذين يهاجمون تيار الإسلام السياسي، يخشون أن يتبنى الداعون للإصلاح السياسي على أسس إسلامية، صورةً واحدة من الصور التاريخية للممارسة السياسية، وبذلك يلزمون أنفسهم ومجتمعاتهم ما لا يلزم، ويقيدون حركة المجتمع ويقفون في وجه سنة التطور، وتصير "الجماعة الإسلامية" التي لم يحددها أبو المجد في دولة معينة أو مكان جغرافي محدد، هي وحدها جماعة المسلمين، وكل من عداها يصبح خارجاً على الجماعة، وبذلك يفتح الباب على مصراعيه للتنكيل بالخصوم ويقفل الباب نهائياً في وجه التعدد السياسي".
إن لأصحاب هذا الرأي منطقهم وحجتهم الخاصة بهم، ولذلك كانت الإجابة التي تحضرني الآن بمثابة قطع الطريق على أصحاب هذا الرأي، فردّاً على سؤال وجّه للعلاّمة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين في حوار متلفز، مضمونه: كيف سيكون موقفه فيما إذا كان على رأس الحركة الإسلامية في الجزائر أثناء العملية الانتخابية، فكان جوابه بكل صراحة وبساطة واختصار: كنت أشركت في القائمة الانتخابية فئات سياسية أخرى، بحيث تُكرس التعددية السياسية وتنهض مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية سليمة.
وفي كافة الأحوال، فإننا نجد أن فئات متعددة ومختلفة في رؤاها السياسية والاعتقادية، تستنكر وأد تلك العملية الديمقراطية، لقناعتها بأن الأسلوب الديمقراطي هو الأسلوب الأسلم والأنجح والقادر على نقل الأمة العربية من أنظمة عربية مفروضة بالإرغام إما بالقوة والبطش، وإما بالأحقية التاريخية وإما بكلتيهما معاً، إلى أنظمة ديمقراطية تسعى لتأسيس دول قادرة على نهوض حضاري جديد من خلال القضاء على الكثير من المشاكل التي يعاني منها الوطن العربي في الوقت الراهن.
وأظن أن أبو المجد يشير في مقالته السابقة إلى وأد تلك العملية الديمقراطية التي جرت في الجزائر، فـ "من الناحيتين القانونية والسياسية، فإننا لا نجد أساساً مقبولاً لحرمان تيار إصلاحي يخوض الحياة السياسية من أن يتخذ لـه برنامجاً للإصلاح ينبع من رؤية إسلامية، ويسعى لتنظيم أمور المجتمع على أسس ومبادئ مستمدة من نصوص الإسلام الثابتة. ويخوض برنامجه هذا غمار الحياة السياسية، كما تخوضها سائر الأحزاب السياسية" ص13.
لقد كان نتيجة وأد العملية الديمقراطية في الجزائر وقوع الجزائر في حمام دم مستمر الجريان، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، بحيث سقط مائة وخمسون ألف قتيل حسب تقدير ضابط جزائري، سوف نأتي على ذكره لاحقاً من خلا ل استعراض كتابه "الحرب القذرة".
فمن وراء كل هذا..!؟ سنحاول الإجابة ما أمكن.
حين نشب الصراع في الجزائر، أخذت أصابع الاتهام "الإعلامية" تشير إلى "الإرهابيين الإسلاميين" بأنهم هم الذين يقومون بالقتل والذبح وعمليات التفجير والخطف وقطع الرؤوس وغير ذلك من الفظائع التي هي بعيدة كل البعد عن روح الإسلام وتعاليمه السمحة ومنهجيته الإنسانية، إلا أن أصابع الاتهام ظلت تشير إلى هذه الناحية دون غيرها.
حتى أصبحت وكأنها بديهة من البديهيات. إلا أن تقارير إعلامية بدأت تطل برأسها، وأغلبها تقارير غربية، وتشير بأصابع اتهام جديدة موجهة إلى قوى حكومية مختلفة. ثم أخذت الحقائق تتكشف واحدة بعد أخرى دون أن تكفّ الأجهزة الإعلامية ولا سيما العربية، عن اتهام "الإسلاميين" بارتكاب الفظائع التي تجري في الجزائر.
وأود أن أشير هنا إلى خبر نشر في جريدة "الحياة" بتاريخ 3/4/ حول زيارة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى ألمانيا. حيث ذكرت أن منظمة العفو الدولي