إن الأحداث والتطورات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية والتي ارتبطت بطرح مشروع الشرق أوسطية لم تكن وليدة المصادفة المحضة واللحظة الراهنة وإنما هي بالتأكيد حصيلة تفاعلات عميقة الجذور تاريخياً، فضلا عن المتغيرات الإقليمية والدولية العديدة التي شهدتها الساحة الدولية في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين والتي أدت إلى انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة العربية، فأخذت تعمل جاهدة لتحقيق أهدافها ومصالحها. فمنذ حرب الخليج الثانية عام 1991م وما نتج عنها استطاعت الولايات المتحدة ترتيب المنطقة بالشكل الذي يحقق لها مصالحها وأهدافها فكان مؤتمر مدريد عام 1991 ثم اتفاق غزة – أريحا أولا، واتفاقيات الصلح المنفردة مع كل من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم الدعوة إلى مشروع الشرق أوسطية الذي يعد أحد أساليب السياسة الأمريكية للسيطرة على المنطقة بشكل كامل . إن هذا المشروع يراد به إحلال فكرة سياسية – اقتصادية وأمنية بديلاً عن فكرة العروبة ويعد امتدادا للأفكار السياسية الأمريكية التي طرحت على المنطقة منذ الخمسينيات حتى الوقت الحاضر، وكان من ضمنها مشروع حلف بغداد ومشروع ايزنهاور تلك الأفكار التي تخدم بالأساس الأهداف الصهيونية في ديمومة البقاء والتوسع من أجل تحقيق أحلامها وخدمة للأهداف والمصالح الأمريكية في المنطقة. إن الخطر الصهيوني في المرحلة الراهنة هو أكثر تأثيرا في المنطقة العربية من المراحل السابقة لأنه جاء بصيغ جديدة لفرض الهيمنة الكاملة على العرب وتحقيق الهدف الصهيوني بإقامة (إسرائيل الكبرى) وفق صيغة السلام المفروض . ولذلك نستطيع القول بأن المعركة الحالية للأمة العربية ضدّ أعدائها هي المعركة الحاسمة التي ستحدد شكل الخريطة السياسية للمنطقة، وهل ستكتب شهادة الوفاة للأمة العربية أم ستنهض من جديد لتحقيق مشروعها القومي النهضوي التحرري. وهذا يفرض علينا كعرب التصدي للمشاريع المطروحة سواء كانت الشرق-أوسطية أو الشراكة المتوسطية لأنها سايكس- بيكو القرن الحادي والعشرين وهدفها تمزيق وتفتيت المنطقة العربية وتهديد أمنها القومي .
وهذا ما سنحاول أن نوضحه في بحثنا من خلال النقاط التالية : أولا- مصطلح الشرق الأوسط. ثانيا- مشروع الشرق – أوسطية . ثالثاَ- الأمن القومي العربي . رابعاً- مستقبل الأمن القومي العربي قي ظل الشرق– أوسطية . خامساً- التصورات المستقبلية لضمان الأمن القومي العربي . سادساً- ما العمل لمواجهة المخططات والمشاريع الأمريكية على المنطقة العربية . أولاً - مصطلح الشرق الأوسط : الشرق الأوسط مصطلح جغرافي وسياسي شاع استخدامه في أجزاء العالم المختلفة منذ بداية القرن العشرين. ( 1 ) إن التسمية ولو أنها قصد بها وبغيرها تقسيم الشرق إلى أقسام حسب البعد والقرب من أوربا الغربية إلا أن الإقليم في الواقع هو إقليم يتوسط خريطة العالم بصفة عامة والعالم القديم (أوربا وآسيا وأفريقيا) بصفة خاصة. إن الشرق الأوسط إقليم من الصعب تحديده بصورة واضحة وقاطعة ولا يرجع السبب في ذلك إلى أن الإقليم مجرد ابتكار لفظي في قاموس السياسة الدولية منذ أوائل القرن العشرين ولكن السبب في صعوبة تحديد الشرق الأوسط راجع إلى أنه إقليم هلامي القوام، بمعنى أنه يمكن أن يتسع أو يضيق على خريطة العالم حسب التصنيف أو الهدف الذي يسعى إليه الباحث في مجال من مجالات العلوم الطبيعية أو الإنسانية أو التصنيف الذي تتخذه هيئة خاصة أو دولة أو وزارة من وزارات الخارجية في العالم، ولذلك لم تتفق الموسوعات العالمية على تحديده بصورة قاطعة. إن هذه الصعوبة– أو إن شئنا – المرونة في تحديد الشرق الأوسط نابعة من أن هذا الإقليم يتكون من عدة متداخلات طبيعية وبشرية ذات طبيعة انسياحية شأنها في ذلك شأن معظم الأقاليم إضافة إلى ذلك يرتبط الإقليم بعامل جغرافي واضح الأثر في كل أرجائه ذلك هو عامل المكان والعلاقات المكانية التي ميزت وتميز الشرق الأوسط كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب القديم، وحديثاَ الشرق بمضمونه الحضاري– الاقتصادي عامة في آسيا وأفريقيا الشمالية والشرقية والغرب بالمضمون الحضاري – الصناعي العام في أوربا وأمريكا الشمالية وروسيا الاتحادية .(2) هذه الأهمية المكانية جعلت الشرق الأوسط هدفاً للاستعمار الأوربي الغربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأصبحت المنطقة أكثر أهمية منذ ما سمي بأزمة الطاقة عام 1973، حيث إن هذه المنطقة أصبحت أكبر مصدر للطاقة في الوقت الحاضر، إضافة إلى احتوائها على أكبر مخزون نفطي في العالم يتجاوز ثلثي احتياطي العالم من النفط.(3) إن الغموض الذي يكتنف تحديد إقليم الشرق الأوسط يعود إلى أن هناك نوعاً من المفهوم المسبق أدى إلى التباس بين ثلاثة مصطلحات في الغرب الأوربي وهي:الشرق الأوسط، العالم العربي ، العالم الإسلامي. فالعالم العربي يشتمل على الجزء الغربي من الشرق الأوسط ويمتد خارجة إلى شمال أفريقيا. أما العالم الإسلامي فيشمل كل الشرق الأوسط ويمتد فيما وراءه في شتى الاتجاهات الجغرافية والغموض الأكثر الذي يجعل تحديد الشرق الأوسط أمراً غير سهل المنال راجع إلى كثرة الأسماء والمصطلحات التي استخدمت في الماضي وتستخدم في الحاضر للإشارة إلى كل الأقليم أو إلى جزء منه ومن هذه المصطلحات .( 4 ) الشرق : Ie levant الشرق الأدنى : Near – East , Proche - orient الشرق الأوسط : Middle – East , Moyen - orient إن الكتابات المختلفة تكاد تجمع في الوقت الحاضر على استخدام مصطلح الشرق الأوسط كبديل للمصطلحات السابقة ففي الإنكليزية والفرنسية والعربية وفي تصنيفات الأمم المتحدة، وفي كثير من الكتب السنوية التي تعالج أقاليم معينة يتردد اسم الشرق الأوسط على أنه الإقليم الذي يشتمل على الدول من إيران إلى مصر ومن تركيا إلى اليمن وقد يضيف كاتب أو هيئة (ليبيا والسودان) أو أحدهما. وبذلك يقتصر الشرق الأوسط على مجموعة دول غربي آسيا وبإضافة مصر (وليبيا والسودان في بعض الأحيان) وفي نهاية الأمر نستطيع أن نقول إن مصطلح الشرق الأوسط هو مصطلح أوربي استخدم منذ بداية القرن العشرين للإشارة إلى المنطقة التي تقع بالشرق من أوربا الغربية لأن هذه المنطقة لا تقع بالشرق من الصين أو اليابان أو روسيا. وقد كثرت التقسيمات لهذه المنطقة حسب القرب أو البعد من أوربا الغربية فهناك الشرق والشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى وكلها حسب القرب أو البعد من الدول الأوربية الغربية خاصة فرنسا وبريطانيا التي استعمرت هذه المنطقة عقوداً من الزمن وما زالت تهتم بها لأهميتها الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية بالنسبة لها بصورة خاصة وللغرب الرأسمالي بصورة عامة، ولذلك تسعى دائماً إلى وضع خطط ومشاريع لاحتواء المنطقة، ابتداء بما أوضحه وزير الخارجية الأمريكي عام 1953 (جون فوستر دالاس) حينما أعلن مشروعه في ضرورة حماية أمن المنطقة من الخطر الشيوعي.(5) وما أكده مبدأ ايزنهاور في 5 من يناير عام 1957، وكذلك آراء الرئيس الأمريكي جون كنيدي عن الأهمية القصوى للشرق الأوسط للسياسة الخارجية الأمريكية وذلك عام 1960، وكذلك اهتمام الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1973 أثناء وبعد حرب أكتوبر، إضافة إلى اهتمام كل من الرئيس جيمي كارتر والرئيس رونالد ريغان بهذه المنطقة ووضع الخطط لاحتواء هذه المنطقة ضد الخطر الشيوعي السابق أثناء الحرب الباردة بين المعسكرين.(6) وقد عاد الاهتمام مرة أخرى في زمن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بعد أحداث 2 من أغسطس 1990 عندما خرج عبر التلفاز الأمريكي في أكتوبر من العام نفسه بشكل واضح وصريح حين قال:(ذهبنا إلى الخليج ليكون القرن القادم أمريكيا).(7) والخليج العربي هو جزء من الشرق الأوسط. وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991 والوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة ، وبعد اتفاق غزة– أريحا أولاً والاتفاقيات الثنائية المنفردة بين الكيان الصهيوني وكل من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، طرحت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني مشروع الشرق أوسطية لاحتواء هذه المنطقة ضمن المخطط الأمريكي الصهيوني لإجهاض المشروع القومي العربي في الوحدة والنهوض الحضاري. ثانياً-مشروع الشرق أوسطية : إن حرب الخليج الثانية عام 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق قد رتب معطيات جديدة حررت السياسية الأمريكية من قيود فاعلة. فأتاحت لها فرصة جديدة لتأمين مصالحها ومن ضمنها العودة إلى التفكير السابق لدمج المنطقة العربية بمنطقة أوسع جغرافياً وسكانياً وذلك من خلال ربط الأقطار العربية في الشرق العربي بتركيا وإيران وإضفاء الشرعية على الكيان الصهيوني من خلال مشروع الشرق الأوسط أوسطية الذي هو نظـام سياسي– اقتصادي – أمني.(8) وذلك للاستفادة من الموارد والثروات العربية ومنع أي تهديد لمنابع النفط في الخليج العربي التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية خاصة منذ حرب الخليج الثانية عام 1991 والوجود العسكري المكثف في المنطقة. إن مشروع الشرق أوسطية يحقق "لإسرائيل"ما كانت تسعى إليه منذ الخمسينيات وحتى الوقت الحاضر.(9) لأنه يحقق لها إضافة إلي شرعية الوجود، عدداً من المكاسب والأهداف التي تصب في إطار قيام "إسرائيل الكبرى" التي تسعى الحركة الصهيونية إلى إقامتها لتحقيق مشروعها الاستعماري– الاستيطاني في المنطقة والذى تهدف من ورائه إلى ضرب العرب ومشروعهم النهضوي الحضاري. ومن هذه المكاسب والأهداف. أولاً- تحقيق تعاون اقتصادي مشترك بينه وبين الأقطار العربية وعلى الصعد كافة.(10) ثانياً- فتح الحدود بين أطراف مشروع الشرق أوسطية والمستفيد من ذلك الكيان الصهيوني. ثالثاً- التخصص لكل دولة من دول المنطقة بنشاط اقتصادي محدد ضمن تقسيم العمل والإنتاج في المشروعات الاقتصادية الكبرى . رابعاً- أن يكون التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة مدخلاً لإنهاء الصراع العربي– الصهيوني – وحل القضية الفلسطينية وفق المخططات الأمريكية- الصهيونية . خامساً- أن يقوم نظام للأمن الجماعي لدول مشروع الشرق أوسطية بما يحقق الاستقرار الدائم للمنطقة . سادساً- أن يتم إنشاء صندوق للتنمية لدول المنطقة تشارك فيه الدول الخليجية الثرية.(11) إن هذه الأهداف والمكاسب الستة التي يحققها المشروع للكيان الصهيوني تجعله يقوم بدور المركز الإقليمي المهيمن . إن مشروع الشرق أوسطية يرتكز على ثلاث ركائز أساسية:هي الأمن والاقتصاد والسياسة. فالركيزة الأمنية: هي وضع ترتبيات أمنية مشتركة ودائمة لدول المنطقة منها الحد من التسليح وضمان الأمن الجماعي وتوازن القوى بالشكل الذي يحقق الاستقرار الأمني والسياسي لدول المنطقة وتأثير ذلك في المناطق المجاورة.( 12) أما الركيزة الاقتصادية:فهي وضع مشاريع للتعاون الاقتصادي المشترك في شتي المجالات لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تنهي حالة البطالة والركود الاقتصادي.(13) أما الركيزة السياسية:ومفادها تسوية الصراع العربي– الصهيوني وفق المخططات الأمريكية– الصهيونية فضلاً عن بناء علاقات جديدة وسلمية في عموم منطقة الشرق الأوسط. أما أهداف المشروع فهي بالتأكيد تخدم المخططات الأمريكية– الصهيونية وتحقق لها إضافة إلى المكاسب السابقة جملة من الأهداف الأخرى منها: أولاً- إنهاء المشروع النهضوي العربي ومنع أية وحدة عربية مستقبلية . ثانياً- يعطي الكيان الصهيوني شرعية الوجود وإقامة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول الجوار العربي . ثالثاً- يحقق الاستقرار السياسي والأمني للمنطقة بما يخدم السياسية الأمريكية بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة آمنة لحماية آبار النفط في الخليج من أي تهديد لضمان استمرار تدفق النفط إلى الغرب الرأسمالي وبأسعار كما تريدها وتحددها الولايات المتحدة الأمريكية . رابعاً- يجعل العرب أقلية في هذا المشروع من خلال ربطه بدول مجاورة ذات كثافة سكانية عالية لمنع أي توجه وحدوي عربي . خامساً- يجعل التفوق والهيمنة للكيان الصهيوني على هذا المشروع من خلال التفوق التقني والعسكرى الصهيونى . خلاصه القول نستطيع أن نبين أن المشروع هو مشروع استعماري يهدف إلى منع العرب من قيام وحدتهم ونهضتهم وذلك عن طريق ربطهم بدول مجاورة إضافة إلى إسباغ شرعية الوجود والتعاون مع الكيان الصهيونى. ولهذا المشروع تأثير فى مستقبل الأمن القومي العربي لأنه يحقق المفهوم الأمريكي لأمن الخليج العربي ويكرس الوجود العسكري الأمريكي الدائم والمكثف فيه . ثالثاً- الأمن القومي العربي : إن قضايا الأمن في المنطقة كانت ومازالت موضع اهتمام ودراسة قوى دولية عديدة، بالإضافة إلى اهتمام الأقطار العربية في المنطقة. ولأهمية هذا الموضوع سنحاول أن نبين أولاً: الأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق وثانياً المفهوم الأمريكي لأمن المنطقة. أولاً- الأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق: لقد تناول عدد كبير من الباحثين والمفكرين العرب مفهوم الأمن القومي العربي وسنختار تعريفاً قومياً نعتقد أنه مجزٍ وهو الذي قدمه الأستاذ أمين هويدي الذي قال:(إن الأمن العربي هو مجموعة الإجراءات التي يمكن أن تتخذ للمحافظة على أهداف وكيان وأمان المنطقة العربية في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة الإمكانات المتاحة وتطويرها،أي استغلال المصادر الذاتية للأمة العربية وجعلها الأساس في بناء القدرة وإدراك المتغيرات التي تحدث من حولنا وفي داخلنا).(14) ومعني ذلك أن الأمن القومي العربي هو مشروع شمولي وخطة عمل مستديمة ومتطورة ومتغيرة زيادة أو نقصاً بدلالة الإمكانات المتاحة والأهداف المرجوة. وبهذا الفهم فإن الأمن القومي العربي يحتاج إلى قيادة سياسية واعية ومدركة لطبيعة الأخطار التي تهدد الأمة العربية ومستقبلها الحضاري . إن الواقع والظروف الدولية الحالية تحتم علينا عدم الانتظار طويلاً. بل يتحتم علينا التطلع إلى مشروع بناء إستراتيجية عربية أمنية عاجلة منعاً لتفاقم التفتيت السياسي الذي تمارسه الإمبريالية الأمريكية من خلال مشروعها الشرق أوسطية، وضرورة إيقاف حالة التدهور الحاصلة في المنطقة العربية على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والتنموية. وهذا يتطلب العمل على وضع إستراتيجية شاملة بمنظور قومي يتحدد من خلال توجه عربي–قيادي وجماهيري نحو مشروع الوحدة القومية السياسية وأمن المنطقة العربية عبر تحقيق خطوات وحدوية أساسية تكون مقدمات لازمة لبدء عمل منهجي وحدودي وأمني عربي صحيح. ومن هذه المقدمات الأساسية والضرورية: ( 15) 1. وحدة السياسة العربية الخارجية . إن من أهم قضايا الأمن وشروطه الموازنة في العلاقات الدولية بين ضرورات الأمن الخاص وأمن المجاورين إقليميا ودولياً. وإن ما يحدد السياسية العربية الخارجية هو إمكان مساندتها استراتيجية الأمن القومي بتكوينها ضغطاً أو تحويلاً حقيقيا في سياسة الدول الأخرى ولصالح الأمن القومي وإن ما يعبر عن هذه القوة التحويلية هو أن تتكون السياسة العربية عبر الرؤية الصحيحة والموحدة للأعداء والمصالح. 2. وحدة السياسة العربية الداخلية . إن العناية بالأمن القومي العربي تستدعي العناية بالأمن العربي الداخلي الذي يقوم على الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي قطر عربي وذلك من خلال تعزيز الديمقراطية الاجتماعية والسياسية، وتأكيد المشاركة الجماهيرية في اتخاذ القرار السياسي المركزي والعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية من خلال تحقيق التنمية العربية الشاملة والقضاء على الأمية وزيادة وعي الجماهير من خلال وضع سياسة تعليمية وتربوية وإعلامية موحدة تخدم الأمة العربية ومستقبلها.( 16)
3. وحدة القيادة العسكرية العربية . في ظل أوضاع التجزئة الحالية والدفاعات العربية الواهية بالرغم من إمكاناتها الكبيرة لابد من قيام دفاع عربي قومي في إطار إستراتجية أمنية عسكرية قائمة على قاعدة مناطق دفاع إقليمية خاضعة لقيادة عسكرية موحدة من أجل التغلب على المصاعب المادية والموضوعية التي تحول دون المساندة بين تعاون الأقطار العربية في مجال الدفاع العسكري الناجمة عن فقدان القدرة العربية على الحشد العسكري السريع لمواجهة أي خطر يهدد أي قطر أو جبهة عربية. إن هذه المقدمات الأساسية والضرورية تعد حداً أدنى لإثبات مصداقية التوجه العربي لتحقيق الأمن القومي للأمة العربية دفاعاً عن وجودها ومستقبلها ضد المخططات الأمريكية– الصهيونية التي تحاول تفتيت المنطقة العربية من جديد وتمنع توحّدها مستقبلاً من خلال مشروع الشرق أوسطية . ثانياً- المفهوم الأمريكي لأمن المنطقة: لقد اختلف التصور الأمريكي لأمن المنطقة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 عما كان عليه خلال فترة الحرب الباردة ووجود الاتحاد السوفياتي السابق كقطب مواز ومنافس للولايات المتحدة الأمريكية، إذ كان الأمن سابقاً يتطلب منع وصول الاتحاد السوفياتي إلى المياه الدافئة وحماية أمن المنطقة من الشيوعية سواء كان الاتجاه سوفيتيا أوصينيا ومن القوى الإقليمية الكبيرة ولقد حدد مجلس الأمن القومي الأمريكي الإستراتجية الأمريكية في المنطقة بثلاثة أهداف رئيسة هي:( 17) 1. السيطرة على النفط وحرية المرور والملاحة في الخليج العربي من خلال تأمين التسهيلات العسكرية. 2. إنشاء القواعد الثابتة ونشر القوات المتحركة لإبقاء الشرق الأوسط والخليج تحت هيمنة القبضة العسكرية الأمريكية. 3. الحفاظ على الأنظمة القائمة في منطقة الخليج والجزيرة العربية، إضافة إلى الحفاظ على وجود "إسرائيل "وأمنها.( 18) إن الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 أصبحت تستند إلى الأسس التالية: 1.استمرار الوجود الأمريكي المكثف في الخليج عسكرياً واقتصادياً وسياسياً عن طرق القواعد العسكرية والاتفاقات الثنائية مع دول الخليج ومنع القوى الحليفة لها من تحقيق مكاسب مهمة على حسابها في الميادين الاقتصادية على وجه الخصوص . وبالتأكيد فإن هذا يشمل إبعاد روسيا الاتحادية عن المنطقة أيضاً. 2.الادعاء بحماية أمن المنطقة من كل من العراق وإيران وهو ما يسمى بساسية "الاحتواء المزدوج "خاصة وأن زيارات المسئولين الأمريكان ومنهم وزير الخارجية ووزير الدفاع إلى المنطقة (قطر وعمان والعربية السعودية) أثمرت عن توقيع اتفاقيات ثنائية مع كل من قطر والعربية السعودية التي أصبحت جميع أراضيها ومطاراتها مفتوحة للقوات الأمريكية. إن التعهد الأمريكي بحماية أمن المنطقة يشمل أمن الأنظمة السياسية السائدة في فلكها وبالذات أمن الحكام، إضافة إلى الأمن الوطني. ويرتكز أساساً على تخويف الحكام من العراق وإيران كونهما خطرين محتملين برغم تجريد العراق من أسلحته وقوته العسكرية وتقييده بقرارت الأمم المتحدة. أما إيران فإنها تسمح لها بالتسلح وتضخيم قوتها العسكرية لبث الخوف والذعر في نفوس الحكام الخليجيين وبالتالي إجبارهم على قبول الحماية الأمريكية وشراء المزيد من الأسلحة والمعدات، إضافة إلى دفع مبالغ للولايات المتحدة عن هذه الحماية .(19) 3.إثارة الخوف في المنطقة من الاتجاهات الإسلامية المتطرفة خاصة الاتجاه الإسلامي المنبعث من إيران المتمثلة بأحزاب سرية تعمل في المنطقة والمدعومة من إيران .(20) 4.العمل على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني سياسياً واقتصادياً وقد أصبح ذلك واضحاً من خلال حضور الوفود الصهيونية في الخليج وغيرها من الدول العربية. وزيارات المسؤولين الصهاينة إلى الأقطار العربية السائدة في فلك التسوية وتخفيف المقاطعة العربية للكيان الصهيوني وإقامة المشاريع المشتركة. 5.إجهاض أي تقارب عربي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق نوع من التضامن العربي أو حماية الأمن القومي العربي. 6.الإبقاء على التجزئة في المنطقة من خلال تشجيع الخلافات الحدودية