صفقة اليمامة:من أكبر صفقة سلاح إلى أكبر فضيحة دوليّة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صفقة اليمامة:من أكبر صفقة سلاح إلى أكبر فضيحة دوليّة
حوّلت صفقة اليمامة من أكبر وأضخم صفقة في تاريخ السلاح في العالم.. الى أكبر فضيحة سياسية دولية الآن. قبل نهاية العام الماضي، سيطرت أجواء غريبة على العلاقات السعودية ـ البريطانية، تشبه الأجواء التي سبقت الأزمة الكبرى بين البلدين الحليفين، وعرفت وقتها بأزمة «موت أميرة»، وترتّب عليها قطع العلاقات الديبلوماسية بين السعودية وبريطانيا.
فقد وجّهت السعودية في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، إنذاراً الى بريطانيا وتهديداً بقطع العلاقات الديبلوماسية، في حال استمرار التحقيقات القانونية التي يجريها مكتب جرائم الاحتيال الخطرة البريطاني، حول الرِّشى وتسهيل الدعارة لأطراف من العائلة الملكيّة السعودية في صفقة اليمامة.
وأمهلت السعودية حكومة بلير البريطانية العمالية عشرة أيام فقط، فإما أن تغلق ملف الفضيحة تماماً، وإما أن تقطع العلاقات وتذهب صفقة جديدة بالمليارات من الدولارات الى المنافسين.
لم يكن غريباً ردّ الفعل الفوري والمباشر من الجانب البريطاني حيث لم يستغرق ٢٤ ساعة، بعدها صدرت أوامر رئيس حكومة بريطانيا الى النائب العام بوقف التحقيقات نهائياً.
ووقف بلير بنفسه يدافع عن هذا القرار غير القانوني وغير الأخلاقي، الذي يؤسّس للفساد والرشوة والدعارة، ويتجاوز سلطات الشرطة والقضاء والبرلمان.
أكبر صفقة.. أكبر أزمة!
على الرغم من المخاوف الأمنيّة التي أثارت وما زالت، العواصم الخليجية، ودفعتها الى شراء السلاح بكمّيّات كبيرة، إلا أن ذلك لم يمنع أن تستخدم بعض العواصم الخليجية «مليارات» هذه الصفقات، للضغط على الدول المصدّرة للسلاح بين فترة وأخرى، فاسم صفقة اليمامة السعودية برز كعنوان لأزمة ديبلوماسية أكثر منه عنواناً لصفقة تسلّح عملاقة، استخدمتها الرياض للضغط على بريطانيا، لإرغامها على ترحيل عدد من ناشطي المعارضة السعودية المقيمين فيها، وعودة رحلات الخطوط البريطانية الى الرياض التي أوقفت بسبب العمليات التي نفّذها ناشطون في القاعدة، أو متعاطفون معها في السعودية خلال الأعوام الماضية، واستهدفت مصالح بريطانية وغربية.
وتعتبر صفقة اليمامة من أكبر الصفقات العسكرية على المستوى العالمي، وتقدّر قيمتها بنحو ٧٥ مليار دولار أميركي.
وبحسب مصادر وخبراء عسكريين، فإن ميزانية الانفاق على التسلّح السعودي، تثير الكثير من علامات الاستفهام حولها، فهي توازي ما ينفق على جيوش إيران وتركيا وإسرائيل مجتمعة، بالنظر الى أن الجيش السعودي يصنّف من بين الجيوش المتواضعة الحجم والمقدرة، إلا أن المراقبين ذاتهم يرون أن مليارات هذه الصفقات تسهم في رفد المواقف السياسية والديبلوماسية للرياض وتمنحها قوّة ضاغطة.
ضربة قاتلة لحكم القانون
ويمكن القول، إن الأسرة الحاكمة السعودية نجحت باستخدام عضلاتها المالية في توجيه ضربة قاتلة الى حكم القانون والقضاء المستقل في بريطانيا، عندما أجبرت الحكومة البريطانية، ورئيسها توني بلير على وجه التحديد، على وقْف التحقيقات في عمولات ورِشى صفقة اليمامة التي وصفت حين تمّ توقيعها (قبل أكثر من عشرين عاماً) بأنها صفقة القرن، بسبب ضخامتها (٤٥ مليار جنيه إسترليتي)، وكثرة عدد السماسرة المتورّطين فيها.
التدخّل السعودي بلغ ذروة شراسته، عندما هدّدت الحكومة السعودية بإلغاء صفقة طائرات يوروفايتر الجديدة، التي جرى توقيعها قبل أشهر معدودة، وبلغت قيمتها ٢٠ مليار دولار، ويمكن أن تصل الى ٧٠ ملياراً في غضون أعوام محدودة.
٣ مليارات دولار.. عمولات!
جاء الموقف السعودي المتشدّد، بعد أن اقتربت التحقيقات من الحسابات السرّيّة لاثنين من الوسطاء، أحدهما رجل أعمال سوري، والآخر وزير لبناني سابق في حكومة الحريري، وكادت تكشف حجم العمولات الضخمة التي ذهبت الى كبار الأمراء، وبلغت أرقاماً خيالية يقدّرها البعض بثلاثة مليارات دولار على الأقلّ!
فالرجلان كانا واجهتين لأمراء سعوديين كبار تفاوض بعضهم على الصفقة، وأقرّها بحكم مكانته ونفوذه، لدرجة أنه طلب رفع سعر طائرة التورنادو بنسبة ٣٥% حتى ترتفع نسبة العمولة!
والروائح الكريهة المحيطة بصفقة اليمامة ليست وليدة هذه الأيام، فعودة الى صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية في عدد الأحد أول شباط (فبراير) لعام ١٩٩٨، نجد أن الصحيفة دعت الحكومة البريطانية العمالية الجديدة (وقتها)، الى الكشف عن تفاصيل برنامج اليمامة العسكري بين بريطانيا والسعودية، واصفة الصفقة بأنها الأكبر، وربما الأكثر فساداً في التاريخ البريطاني. وعلّلت «الأوبزرفر» موقفها هذا بقولها إن الشعب البريطاني لم يحط علماً بالصفقة، إلا عندما بدأ مكتب التحقيقات الوطنية الكشف عنها في العام ١٩٩٢، ولم ينشر تقريراً يظهر النتائج التي توصّل إليها التحقيق! ودعت الصحيفة في افتتاحيتها الحكومة الى إعادة فتح ملف اليمامة، وقالت إن تغيير الحكومة يجب أن يمنحنا فرصة النظر مرة أخرى في الصفقة الأكثر إشكالية في سنوات حكم حزب المحافظين. وأضافت أن ما يمكن أن يقال هو أن هذه الصفقة شملت دفع رِشى (أو بشكل أكثر لباقة عمولات) على نطاق واسع، وأنه وفق تقديرات حديثة، فإن ثلاثمائة مليون جنيه إسترليني كانت تنفق سنوياً. وقالت إن الاعتقاد السائد هو أن هذه الأموال كانت تتدفّق باتجاه واحد، من بريطانيا الى أمراء العائلة المالكة الذين يتوجّب على البريطانيين الحصول على إذنهم قبل الاتفاق على المبيعات.
منذ منتصف الثمانينيات والتساؤلات حول الفوائد التي جنتها بريطانيا تتكرّر. وتابعت أنه عندما يفكّر الناس بالطريقة التي أصبح فيها مارك تاتشر نجل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر مليونيراً، فإن اهتمامهم سينصبّ على دوره في صفقة اليمامة التي ساهمت والدته في المفاوضات بشأنها كذلك أشارت «الأوبزرفر» الى أن وزير مشتريات الدفاع في حكومة المحافظين جوناثان إيتكينز، حاول تغيير مسار العدالة، والكذب بشأن الأخبار التي كشفت عن قيام أمير سعودي بدفع فاتورة إقامته في فندق الريتز في باريس، وقالت إن أحد أسباب سقوطه كانت تجنّب المناقشات حول العمولات.
وكشفت الصحيفة أن الشقّة الفاخرة التي يقيم فيها السير ريتشارد إيفانز المدير التنفيذي للشركة البريطانية المسؤولة عن تنفيذ صفقة اليمامة مع السعودية، مملوكة لشركة بنمية يديرها مكتب وفيق السعيد الوسيط السوري المليونير، الذي تعامل مع السير ريتشارد بشأن الصفقة!
ولم يمض أسبوع على نشر هذا المقال، حتى نشرت «الغاردين» أخباراً عن انهيار مفاوضات