(منقول من العدد الأخير من مجلة العرب، عدد محرم وصفر1427هـ)
لكل عِلْم قواعده التي تضبطه، ومصطلحاته الخاصة به، إلاّ علم النسب مع كثرة الكتابة فيه مؤخَّرًا لم يكن له حظّ في كبح جماح المتعجّلين، ممن ينقل مِن هنا وهناك فيدفعه للمطبعة ولا ينظر إلاّ نتائج ما كتب. ولا تعجب إذا رأيت أنّ كثيرًا من أولئك الكتبة ليس لهم إلاّ ذلك التأليف في نسب قبيلة أو تاريخ بلدة. والتأليف له آدابه، وأعرافه من أهمها احترام عقلية القارئ وعدم ذِكْر أيّ دعوى بلا برهان من رواية صادقة أو نقل معتبر. ولذا فمن المحتم ذِكْر بعض المحاذير التي قد يقع فيها المشتغل بعِلْم الأنساب والتنبيهات التي لابدّ له من مراعاتها؛ فمن ذلك:
1- أنّ المشتغل في النسب قد يدّعي نسبًا بلا حُجّة أو ينفي نسب أحد بلا برهان، والدافع إلى ذلك إمّا أن يكون الهوى أو العجلة وعدم التثبت، والعجلة في مثل مباحث الأنساب زلّة أقدام. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه قال: قال : "كُفرٌ بامرئ ادعاءُ نسبٍ لا يعرف أو جحدُه وإن دق"(1). وفي رواية أحمد: :كفر تبرؤ من نسب وإن دق أو ادعاء إلى نسب لا يعرف"(2). وقال أبو بكر الصدّيق في خطبة له على الملأ: "كفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعرف، وكفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق"(3).
2- الإيغال في الأنساب القديمة. وقد روى خليفة عن عمر بن الخطاب قال: لا أنتسب إلاّ إلى معد وما بعده لا أدري ما هو. وروى عن عكرمة قال: أضلت نزار نسبها من عدنان وأضلت اليمن نسبها من قحطان(4). وقد ورد عن ابن عباس قال: كان النبي إذا انتهى في النسب إلى معد ابن عدنان أمسك ثم قال: كذب النسّابون، قال تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (5). وورد عن ابن عباس قال: ولو شاء رسول الله أن يعلمه لعلمه، وقال: بين معد بن عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أبًا(6). وورد عنه أنه لَمّا وصل إلى عدنان قال: كذب النسّابون(7). وورد عن ابن مسعود أنه قرأ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ...(8)، فقال: كذب النسّابون. وذكر ابن كثير في ترجمة الإمام أحمد نسبه إلى إبراهيم ثم ذكر عن صالح بن الإمام أحمد أنه قال: رأى أبي هذا النسب في كتاب لي، فقال: وما تصنع بهذا؟ ولم ينكر النسب(9). فقد يكون أنكر ثبوت النسب بعد عدنان وقد يكون إنكاره لاشتغال ابنه بالنسب عمّا هو أهمّ منه.
وقد كان العرب يعيبون مَن يجهل نسبه إلى عدنان، ويدلّك على هذا قول لبيد:
فإنْ لم نَجِدْ مِن دون عدنان والدًا ودون معد فلترعك العواذلُ(10)
3- أنه قد يؤدّي إلى الإعجاب بالنسب أو بشرف الآباء، ولو تفكّر العبد لوجد أنّ الناس كلهم ولد آدم، الذي خلقه الله تعالى بيده وأسكنه جنّته وأسجد له ملائكته، وما أقلّ نفعه فيهم، وفيهم كل عيب وكل فاسق، والعامّة تقول في أمثال هذا المعجب بآبائه: كالخصي يُزهي بذِكْر أبيه، وأبولهب مَن هو في قربه وشرف نسبه، ولم ينفعه ذلك، وأبو إبراهيم وابن نوح لم ينفعهم شرف نسبهم وقربهم مِن أنبياء الله. والإعجاب بالنسب لا يدفع جوعًا ولا يستر عورة ولا ينفع في الآخرة، فهو بحق ضعف عقل وقلّة دين(11). وقد قال شيخ الإسلام: فإن كان الرجل مِن الطائفة الفاضلة فلا يكون حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ في هذا؛ لأنّ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فربّ حبشيّ أفضل عند الله مِن جمهور قريش(12). وقد روى ابن عمر قال قال : "فتنة الأحلاس هرب وحرب ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدم رجل من أهل بيتي يزعم أنه منِّي وليس منِّي وإنما مِن أوليائي المتّقين..."(13)، فشرف النسب لا يدلّ على شرف الشخص.
4- أنّ معرفة المرء لعلوّ نسبه قد يؤدّي به إلى ترك اكتساب الآداب والفضائل اتكالاً على حسبه؛ وما أحسن قول ابن الرومي:
وما الحسب الموروث لا درّ درّه
فلا تتّكل إلاّ على ما فعلْتَه
فليس يسودُ المرءُ إلاّ بنفسه
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة
وللمجد قـوم ساوروه بأنفس بمحتسب إلاّ بآخر مكتسب
ولا تحسبنّ المجد يورث بالنسب
وإن عدّ آباء كرامًا ذوي حسب
من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب
كرام ولم يعبوا بأمّ ولا بأب(14)
والعاقل مَن يكون عصاميًّا لا مَن يكون عظاميًّا كما قال المتنبي:
لا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي وبجِدِّي سَمَوتُ لا بِجُدُودِي(15)
وما أصدق قول الشاعر:
حسبي فخارًا وشيمتي أدبي
إنّ الفتـى مَن يقـول ها أنا ذا ولست مِن هاشم ولا العرب
ليس الفتى مَن يقول كان أبي(16)
وقول الآخر:
كُنْ ابْنَ مَنْ شِئْتَ واكتسِبْ أدبَا
إنّ الفتى مَن يقـول ها أنا ذا يُغْنيكَ موروثه عن النسبِ
ليس الفتى مَن يقول كان أبي
وقد كان والد أبي الفتح عثمان بن جنِّي النحوي اللغوي المشهور عبدًا روميًّا، وقد عُيِّر بذلك فقال:
فإن أصبح بلا نسب
على أنِّي أؤول إلى
قياصرة إذا نطقوا
أولئـك دعا النبيّ لهـم فعلمي في الورى نسبي
قرومٍ سادة نجب
أرَم(17) الدهر ذو الخطب
كفى شرفًا دعاء نبي(18)
ومما ينسب إلى عليّ :
لكلّ شيء زينة في الورى
قد يَشْـرُفُ المرْءُ بآدابـه وزينة المرء تمام الأدبْ
فينا وإن كان وضيع النسبْ(19)
ويؤكد الشافعي هذا المعنى فيقول:
لا يُعْجِبنّكَ أثوابٌ على رَجُلٍ
فالعود لو لم تَفُحْ منه روائحُه دَعْ عنك أثوابَه وانظر إلى الأدب
لم يفرق الناس بين العود والحطب
والنسب مع الجهل لا يُجدي شيئًا كما قال الشاعر:
العلم ينهض بالخسيس إلى العُلا والجهل يقعد بالفتى المنسوب(20)
وما أحسن أن يجمع المرء بين شرف النسب وشرف العلم والأدب، ويكون كعبدالله بن معاوية حين قال:
لَسْنَا وَإِنْ أحسابنا كرمت
نبني كمـا كانت أوائلنــا يومًا على الأحساب نتَكل
تبني ونفعل مثل ما فعلوا(21)
ولَمّا قُرِئت هذه الأبيات على الملك عبد العزيز رحمه الله قال: فوق ما فعلوا فوق ما فعلوا. وقال الأصمعي: أنشدنا أبوعمرو بن العلاء لعامر بن الطفيل قال: وهو مِن جيِّد شعره:
إنِّ وإن كنتُ ابن سيّد عامر
فما سودتني عامر من وراثة
ولكنني أحمـي حماها وأتّقي وفارسها المشهور في كل موكب
أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
أذاها وأرمي مَن رماها بمنكب(22)
وما أجمل ما قاله الرصافي في قصيدة نحن والماضي حيث يقول:
وما يجدي افتخارك بالأوالي
فما بلـغ المقاصد غير ساع
وأسس في بنائـك كل مجدٍ
فشرُّ العاملين ذوو خمول
وخير النـاس ذو حسب قديم
إذا ما الجهـل خيّم في بلاد إذا لم تفتخر فخرًا جديدَا
يردد في غدٍ نظرًا سديدَا
طريف واتْرُك المجدَ التليدَا
إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
أقام لنفسه حسبًا جديدَا
رأيتُ أسودَها مُسِخَتْ قُرودَا(23)
5- أنّ علم النسب قد يستخدم للسبّ وانتقاص الآخرين، ولذا نجد الفاروق عمر بن الخطاب يقول: إياكم وتعلّم الأنساب، والطعن فيها(24). وقد روى