السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب الشيخ الدكتور أحمد بن صالح الزهراني:
استدلال الصّوفيّة على السماع البدعي بقوله تعالى : {فبشّر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}
19/1/2007
يستدلّ الصّوفيّة على السماع البدعي بقوله تعالى : {فبشّر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ، قال القشيري : ( اللام في قوله " القول " تقتضي التعميم والاستغراق ، والدليل عليه أنه مدحهم باتباع الأحسن ) (1).
الجواب من أوجه :
الأوّل : أنّ الله سبحانه وتعالى لا يأمر باستماع كل قول بإجماع المسلمين حتى يُقال : اللام للاستغراق والعموم ، بل من القول ما يحرم استماعه ومنه ما يُكره كما قال صلّى الله عليه وسلّم : ( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبّ في أذنيه الآنُك يوم القيامة ) .
فقد أمر سبحانه بالإعراض عن كلام الخائضين في آياته ونهى عن القعود معهم فكيف يكون استماع كل قول محموداً ؟
وقال تعالى : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } ، فجعل المستمع لهذا الحديث مثل قائله فكيف يمدح كل مستمع كل قول ؟
وإذا كان السمع والبصر والفؤاد كل ذلك منقسم إلى ما يُؤمر به وإلى ما يُنهى عنه والعبد مسئول عن ذلك كلّه ، كيف يجوز أن يُقال كل قول في العالم فالعبد محمود على استماعه ؟
الثاني : أنّ المراد بالقول في هذا الموضع القرآن ، كما جاء ذلك في قوله :{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فإن القول الذي أُمروا باستماعه والتدبر بالنظر والاستدلال والاعتبار والاستماع ، فمن أمرنا باستماع كل قول أو باستماع القول الذي لم يُشرع استماعه فهو بمنزلة من أنمر بتدبر قول والنظر فيه ، أو بالتدبر للكلام الذي لم يُشرع تدبره والنظر فيه ، فالمنحرفون في النظر والاستدلال بمثل هذه الأقوال من أهل الكلام المبتدع .
الثالث : أن الله تعالى في كتابه إنما حمد استماع القرآن وذم المعرضين عن استماعه وجعلهم أهل الكفر والجهل : الصم البكم ، فأما مدحه لاستماع كل قول فهذا شيء لم يذكره الله قط ، كما قال تعالى :{ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
وقال تعالى في ذم المعرضين : {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}.
وقال : {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}. وقال تعالى : {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً }.
الرابع : أنهم لا يستحسنون استماع كل قول منظوم ومنثور ، بل هم من أعظم الناس كراهة ونفرة لما لا يحبونه من الأقوال منظومها ومنثورها ، ونفورهم عن كثير من الأقوال أعظم من نفور المنازع لهم في سماع المكاء والتصدية عن هذا السماع ، وإذا لم يكن العموم مراداً بالاتفاق كان حمل الآية عليه باطلاً .
الخامس :أنه قال : {فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه ، ومعلوم أن كثيراً من القول ليس فيه حسن فضلاً عن أن يكون فيه أحسن ، بل فيه كما قال تعالى : {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة .. }.
وقال تعالى : {ولا يغتب بعضكم بعضاً }وقال تعالى :{ولا تنابزوا بالألقاب}.
وقوله : {فيتبعون أحسنه}كقوله في هذه السورة : {واتّبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم } فهذه الكلمة مثل هذه الكلمة سواء بسواء .
وهذا من معاني تشابه القرآن ، فاتباع أحسن ما أُنزل إلينا من ربّنا هو اتباع أحسن القول . وبهذا أمر بني إسرائيل حيث قال لموسى : {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} (2).
======
(1) القشيرية 2 / 637 . (2) الاستقامة لشيخ الإسلام 1 / 216 ـ 23