السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين قال ابن الأثير : ما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بعث أميراً على إفريقية حنظلة ابن صفوان الكلبي، فوصلها في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فلم يمكث بالقيروان إلا يسيراً حتى زحف إليه عكاشة الخارجي في جمع عظيم من البربر، وكان حين انهزم حشدهم ليأخذ بثأره وأعانه عبد الواحد بن يزيد الهواري ثم المدغمي، وكان صفرياً، في عدد كثير وافترقا ليقصدوا القيروان من جهتين، فلما قرب عكاشة خرج إليه حنظلة ولقيه مفرداً واقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم عكاشة وقتل من البربر ما لا يحصى، وعاد حنظلة إلى القيروان خوفاً عليها من عبد الواحد، وسير إليه جيشاً كثيفاً عدتهم أربعون ألفاً، فساروا إليه، فلما قاربوه لم يجدوا شعيراً يطعمونه دوابهم فأطعموها حنطةً، ثم لقوه من الغد فانهزموا من عبد الواحد وعادوا إلى القيروان، وهلكت دوابهم بسبب الحنطة. فلما وصلوها نظروا وإذا قد هلك منهم عشرون ألف فرس، وسار عبد الواحد فنزل على ثلاثة أميال من القيروان بموضع يعرف بالأصنام، وقد اجتمع معه ثلاثمائة ألف مقاتل، فحشد حنظلة كل من بالقيروان وفرق فيهم السلاح والمال، فكثر جمعة، فلما دنا الخوارج من عبد الواحد خرج إليهم حنظلة من القيروان واصطفوا للقتال، وقام العلماء في أهل القيروان يحثونهم على الجهاد وقتال الخوارج ويذكرونهم ما يفعلونه بالنساء من السبي وبالأنباء من الاسترقاق وبالرجال من القتل، فكسر الناس أجفان سوفهم، وخرج إليهم نشاؤهم يحرضنهم، فحمي الناس وحملوا على الخوارج حملة واحدة وثبت بعضهم لبعض، فاشتد اللزام وكثر الزحام وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر القتل في البربر وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون، ولم يعلموا أن عبد الواحد قد قتل حتى حمل رأسه إلى حنظلة، فخر الناس الله سجداً. فقيل: لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، فعجز الناس عن ذلك حتى عدوهم بالقصب، فكانت عدة القتلى مائة ألف وثمانين ألفاً، ثم أسر عكاشة مع طائفة أخرى بمكان آخر وحمل إلى حنظلة فقتله، وكتب حنظلة إلى هشام بن عبد الملك بالفتح، وكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة إلى الآن أشد بعد غزوة بدر من غزوة العرب بالأصنام. الكامل في التاريخ لإبن الأثير وسمعها الليث بن سعد فقال ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والاصنام . تاريخ ابن خلدون