فى إحدى اللقاءات التى جمعت الكاتب الكبير
محمد حسنين هيكل بتلميذه الروائي الشهير
يوسف القعيد .. كان الحديث بينهما ذو شجون وتناولا بالحوار عصر السادات وجماعته التى شبهها يوسف القعيد برجال المظلات الذين يهبطون فجأة دون مقدمات على رأس الأمة
فأعجب هيكل بالتعبير والتشبيه للغاية ..
وفى اليوم التالي فوجئ يوسف القعيد بالأستاذ هيكل عميد الصحافة العربية يتصل به هاتفيا ويستأذنه فى استخدام تشبيهه الذى قاله أمس فى حديث عارض ليورده هيكل فى إحدى كتاباته !!
فاستغرب القعيد وأكبر هذا التصرف الراقي من هيكل وتحسر على السرقات الفكرية التى تتطاول حتى مؤلفات وأعمال كاملة تنسب لغير أصحابها ..
لكن يظل الحق حق .. والأصول أصول بغض النظر عن متاهات الادعاء والسلبية .. تلك الأصول التى جهلها البعض وتجاهلها البعض الآخر وهم ينقلون عن غيرهم نتاج أفكارهم لتلقي المدح أو الربح بغض النظر عن كل قيمة أدبية أو قامة فكرية
ولم يعرف المجتمع الثقافي داء مستعصيا قدر هذا الداء .. بل لم يتوقف عاجزا أمام شيئ قدر ما توقف أمامها وعانى منها
ولكن ما هى السرقات الفكرية وما هو مفهومها الذى يمكننا تعريفها به وما هى الفوارق بينها وبين النقل أو الاقتباس أو ما شابه ذلك من أساليب مشروعة ..
تلك الأسئلة وحول هذه القضية نحاول الوصول إلى إجابات وحلول قدر المستطاع
أولا .. تعريف السرقات الفكرية وأنواعها
تعرف السرقات الفكرية بأنها اغتصاب النتاج العقلي أيا كان نوعه "
أدبيا ـ علميا ـ عاما " ونشره دون الإشارة للمصدر الأصلي
وتتعدد أنواعها بتعدد المجالات الإبداعية كالمجال الأدبي من شعر ونثر والمجال العلمى كالبحوث المنهجية والمجال العام وهو الكتابة فيما يخص مختلف القضايا .
كما تتفرع فى درجة خطورتها إلى أنواع ..
فهناك
السرقة الفكرية التامة وهى قيام السارق بنقل الإنتاج الفكرى كاملا ونسبته لنفسه
وهناك
السرقة الجزئية وهى الاستيلاء على جزء من مؤلف ما والاستعانة به لتكملة مؤلف آخر والتغطية على صاحب النص الأصلي
وأمثلة ذلك أن يقوم السارق بنسبة بحث ما أو عمل أدبي لنفسه دون الإشارة لصاحبه سواء كانت السرقة منصبة على كامل النص أو جزء منه
كما هناك
السرقة الفكرية غير المباشرة وهى التى تعنى الاستيلاء على الفكرة دون النص أو عن النتيجة العلمية دون صلب البحث وهى لا تقل بأى حال من الأحوال عن السرقة الفكرية المباشرة أو الصريحة من حيث خطورتها على الأمانة العلمية
ومثالها سرقة نتيجة علمية وإضافتها لبحث صورى على أنها من نتاج هذا البحث وكذلك سرقة التشبيهات أو الصور البلاغية من الأعمال الأدبية الإبداعية وصياغتها فى قالب نصي مختلف
والسرقات الفكرية تختلف عن الاعتداء على حق المؤلف
وان كان كل منهما يمثل اعتداء وجرما .. فالسرقة الفكرية تأتى من نسبة النتاج الفكرى إلى شخص ما باعتباره مؤلفه .. أما الاعتداء على حق المؤلف فهو استغلال المؤلف الفكرى فى النشر أو الإنتاج التسويقي دون الحصول على إذن صاحب العمل ..
ومن هنا يتضح الفارق حيث يكون الاعتداء على حق المؤلف محافظا على نسبة العمل ذاته إلى صاحبه الأصلي بعكس السرقة الفكرية
وفى واقع الأمر أن السرقات الفكرية ليست وليدة العصر الحديث وإنما هى ضاربة فى القدم .. ولكن تأتى كارثة العصر الحالي فى معيار انتشارها وذيوعها إلى حد يهدد النماء الثقافي بالذات فى المجتمع العربي الذى أصبح موصوما بتراجع غير طبيعى فى المجال الثقافي عامة إضافة إلى ذيوع السرقات التى تضرب ما تبقي من أثر ايجابي للأمة كلها
وفور انتشار المنتديات والمجلات الاليكترونية على شبكة الانترنت استفحلت الظاهرة على نحو مدمر بحيث كادت أن تصبح هى الأصل بينما الأمانة الفكرية هى الاستثناء .. فالعشرات من رواد المنتديات ينقلون وينسبون لأنفسهم غالبية ما يجدون لأعمال تخص مبدعين معروفين أو مجهولين ويشاركون بها فى منتدياتهم طلبا للمدح والتزلف فى أغلب الأحيان
ومع تجاهل المشكلة من المجتمع الثقافي فهناك من يفعل ذلك بحسن نية لجهله بضرورة الإشارة لنقل الموضوع واسم مؤلفه وهو عيب الإدارات المختلفة التى لا تولى تلك القضية اهتمامها بالتوعية الكافية فضلا على ردود أفعالهم البسيطة تجاه تلك السرقات إضافة إلى مناصرة بعض الإدارات بالمنتديات المختلفة لأعضائها رغم إثبات قيامهم بالسرقة وكان الأمانة الفكرية تعد ظرفا طارئا وتقليدا جديدا
بالرغم من الباحث فى كتب التراث يجد أن الأمانة كانت تقضي بذكر الروايات وإسنادها فى جميع المؤلفات بلا استثناء مهما كانت بساطة المنقول
الفارق بين السرقات الفكرية والاقتباس والنقل فى البحوث العلمية
فارق ضخم بين النقل المشار إليه وبين السرقات الفكرية ..
فالنقل والاقتباس يخص الأعمال الفكرية دون الإبداعية فلا يعقل أن يقتبس شاعر قصيدة أو أكثر لشاعر آخر وينشرها بديوان مثلا بحجة الإشارة إليه لأن الأعمال الإبداعية هى نتاج موهبة خالصة حتى ويعد النقل هنا سرقة أدبية حتى لو كان يخص فكرة أو تصوير ابداعى أو تشبيه بليغ .
فالنقل والاقتباس يخص هنا الدراسات الفكرية بأنواعها ويستلزم الإشارة إلى المصدر ومؤلفه ..
كما لو أن دارسا أنشأ بحثا أو دراسة نقدية لعمل ابداعى هنا لا يعد ذكر الدارس للعمل الابداعى وتناوله سرقة .. طالما أنه أشار إلى صاحب العمل وكان العمل الابداعى خاضعا لبحث نقدى
وكذلك فى البحوث العلمية فيكون مسموحا بالطبع الاستعانة ببحوث علمية أخرى وبنتائجها فى محاولة الباحث الوصول لنتيجة أعلى وفتح المجال لنظرية جديدة تمثل تطويرا وإضافة إلى ما سبق اكتشافه
كذلك فى البحوث التاريخية والقانونية والاجتماعية .. لا تثريب هنا على الباحث عندما يلجأ لعشرات ومئات المصادر فى محاولة إنشاء دراسة تخص ظرفا تاريخيا معينا فيقوم باللجوء إلى شتى المصادر التى من الممكن أن تفيده فى بحثه فيأخذ منها المعلومات المطلوبة لصياغة دراسته والوصول لهدفه وهو بالطبع لابد أن يكون هدفا علميا غرضه الوصول إلى جديد لم يتم تناوله قبلا ..
هذا بالطبع مع ضرورة ملاحظة أن الباحث أو الدارس غير مسموح له أن يكون مجرد آلة تجميع للمعلومات ينقلها ويرصها إلى بعضها البعض دون تدخل .. بل تكون القاعدة هنا هى أن المعلومة من المصدر وصياغتها وتوظيفها من الباحث
وطرق الإشارة إلى المصادر المنقول منها متعددة .. فهناك من يورد مصادره مجمعه فى نهاية دراسته وبحثه وهناك من يشير بانتظام إلى الفقرات المنقولة ومصادرها بهوامش تنتشر فى أسفل الصفحات ... وهناك من يشير إلى المصادر فى صلب دراسته ذاتها
طرق العلاج
من الغريب والعجيب أن وجود مثل هذا الداء فى المجتمع الثقافي دون أن يحمل هم علاجه