كثيرون همُ الناس الذين استغربوا موضوعا نتناوله بالحديث كموضوعنا هذا.. وظنوا أن الحديث عن المحبين وأخبارهم وذكر بعض حوادثهم يُعدُّ أقرب إلى باب المجون منه إلى باب الفضيلة.
وربما لا يُكلّف أحدهم نفسه عناء سوى النظر إلى عنوان الموضوع، ليفتح خياله أبوابا تسوق أخبار المحبّين إلى وجهة غير الوجهة التي أردناها لها، ويُصدر من ثَمَّ حُكمه الذي لا يرجع عنه: أحاديث مجون وقصص تمسّ بالأخلاق.
وعُذرُ هؤلاء، إن التمسنا لهم عُذرا، هو أنهم لم يألفوا الحديث عن أشواق الأرواح ونبض القلوب في بابه الصحيح. ذلك الباب الذي يجمع بين صدق العاطفة النبيلة، وبين صدق الأحزان التي تعتور قلوبهم فتحرمهم لذة الأكل والشرب، في حين حرمت بعضهم لذة العقل، بل ولذة الحياة.
إن العيب، كُلّ العيب، هو أنّنا في سياق المسار الخاطئ الذي انتهجه فنّ التعبير عن العواطف، طمسنا كلّ جميل مُشرق في النفس الإنسانية، هربا من الوقوع في حديث يتقاطع، ولو للحظة، مع أحاديث المجون والغرام التي تقود إلى ذل المعصية ومقت الفاحشة.
وحاولنا أن نُغلق بابا رحيبا، لو أبقيناه مفتوحا مضيئا لما استعاض الناس عنه بأبواب المعصية المظلمة، ليُمارس الجميع لُعبة النفاق: جنوحٌ إلى الغواية في السّرّ، واستنكافٌ عن الفضيلة في العلَن.
(2)
هل يُمكن للحب الصادق الذي يبلغ حدّ الجنون، أن يُحافظ على نقاوته وطهارته، فيتعالى عن نزوات الجسد مفضّلا التحليق في عالم الروح المثالي؟
وهل يُمكن للحبّ أن يعيش في قلب الرجل والمرأة، عقودا من الزمن، لا تُنسيه تصاريف الأقدار ولا تقلبات الدهر، فيبقى غضا طريا كأنما هو وليد الساعة؟
كان جميل بن عبد الله بن عامر القضاعي شاعراً فصيحاً، صادق الصبابة عفيفاً منزّهاً عن الرذائل عارفاً بالنسيب والغزل.
ونشأ في قومه بني ربيعة بوادي القرى بين المدينة ومكة، فعلق فتاة تُسمى بُثينة، إذ كانا صغيرين، ويقال إن سبب عشقه بثينة أنه سرّح إبله يوماً بواد البغيض، فأتت مع جوار يملأون الماء فعبثت بفصيل له، فتسابّا. وفي ذلك يقول جميل:
فلما كبُر خطبها، ولكنَّ أهلَها لم يقبلو زواجه بها، لأنّ العرب كانت تستهجن أن تُزوِّجَ من جرى بينهما عشقٌ، وهو ما فتح أبوابا كثيرة للشر، مع أنه جاء في الأثر: "لم يُر للمتحابين مثل النكاح".
إن مُجتمعاتنا تُسارع في إدانة الأخطاء التي يرتكبها البعض، بدافع أو بغير دافع، وبسبب أو بغير سبب، ولكنهم يتناسون أن هذه الأخطاء إنما هي نتائج طبيعية لأخطاء درجوا هم على الوقوع فيها وارتكابها دون رقيب أو حسيب.
وبهذا الدافع ربما، صمّم جميلٌ على المضيّ بعيدا في مسيرته، حيث عزم على لقاء بثينة سرا دون علم أهلها، فكان يأتيها يتحادثان ويشكو كل منهما للآخر ما يجده من الجوى.
ولكنّ أمرا كهذا لم يكن ليخفى عن أهلها، طال الأمر أم قصُر، فعلموا به فأرادوا قتله وتوّعدوه، وهم كانوا السبب الأول في هذه التصرفات الخاطئة، ولكنه لم ينتهِ.
فلما شاع ذلك، حاول أهل بثينة الانتقام منه بطريقة أخرى، فقرر أخو بثينة، واسمه (حواش) أن يُشبّب ويتغزّل بأخت بأخت جميل، وتفاخرا في ذلك، فغلبه جميل بشهادة العرب، لأنه كان أَشْعَرَ منه.
ولمَّا أعيت أهلَها الحيلةُ، استعدوا عليه مروان بن هشام الحضرمي، وكان والياً من قبل عبد الملك على تيماء، فتوعّده، فمضى مُستخفياً إلى الشام. وجاوز في طريقه إلى الشام بسيد من بني عذرة فأحسن مكانه وأكرمه وضيّفه.
وسمع هذا الرجل بقصة جميل وشدة حبّه لبُثينة، فأراد أن يصرفه عنها ويُزوّجه إحدى بناته السبع، فزيّنهنّ رجاء أن يتعلق قلبه بواحدة منهن، فكُنّ يرفعن الخِباء إذا أقبل جميل، ففطن لذلك وعلم مقصد الأب، فأنشد:
حلفتُ لِكَيْمَا تعلمينيَ صادقاً وللصدق خَيرٌ في الأمور وأنجحُ
لَتَكْليمُ يَوْمٍ واحدِ من بثينةٍ ورؤيتُها عندي أَلَذُّ وأَمْلَحُ
مِنَ الدهرِ أو أخلو بكُنَّ وإنما أُعَالِجُ قلباً طامحاً حيثُ يَطْمَحُ
لقد كان قلبه مُعلّقا ببثينة، لا ينصرف إلى غيرها، مهما كان جمالها أو مالها، وهو ما فهمه الشيخ ووعاه، فقال لبناته: أَرْخِينَ الْخِبَاءَ، فوالله لن يُفلحَ أبداً، يعني بذلك أنه لا يرجع عن العشق.
(3)
ولما عُزل مروانُ بن هشام الحضرمي عاد إلى أهله وقومه.
ولكنه رغم غربته بقي محافظا على وُدّ بثينة، لا يميل إلى غيرها. فلماذا كل هذا التعلق يا جميل، وما سببه؟
لقد أوضح جميل بأن حُبّ بثينة نشأ في قلبه كما ينشأ الصبيّ، وُلد بعد إذ لم يكُن، ثم هو بعد ذلك في نموّ متزايد، وأنه لا زال يرجو رغم رفض أهلها أن يُسعِفه الدهرُ فيتزوجَها، مستقلا في ذلك كل كثير، ومستسهلا كل صعب، ومستقصرا كل طويل من العمر.
علقتُ الهوى منها وليداً فلم يزلْ إلى الآن يَنْمو حبُّها ويزيدُ
وأفنيتُ عمري في انتظار نوالِها وأفنتْ بذاك الدهرَ وهْوَ جديدُ
وعاود جميل عادته في لقاء بُثينة، فلما بلغ الخبرُ أباها عزم وأخاها على قتله،
فأتيا إلى موعد اللقاء في ليلة من الليالي وهما مُشْتَملَيْنِ مُعْتَمِدَيْنِ سيفيهما لقتله، فسمعاه يقول لها بعد شكوى شَغَفِهِ بها: "هل لك في إطفاء ما بي بما يفعل المتحابّان؟" ـ وكان يُعرّض بالوصال المُحرّم ـ فقالت بُثينة مُستغربة مُستنكرة هذا الطلب: "قد كنت عندي بعيداً من هذا، ولو عُدتَ إليه لن ترى وجهي أبداً".
فضحك جميلٌ ثم قال: "والله ما قُلتُه إلا اختباراً، ولو أجبتِ إليه لضربتكِ بسيفي هذا إن استطعتُ، وإلا هجرتكِ.. أما سمعت قولي:
وإني لأرضى من بُثينة بالذي لو اَبصره الواشي لقرَّتْ بَلاَبِلُهْ
فقالا: لا ينبغي لنا إيذاءُ من هذه حالته، ولا مَنْعُ التزاور، ثم انصرفَا.
(4)
لقد كان جميلٌ متعلّقا ببُثينة، ولكنّ حُبّه لم يدفعه إلى ارتكاب الخطيئة، بل كان عفيفا يصون عرضه وعرض تلك التي أحبها عن أن يُخدش بشيء أو يُثلب بمنقصة.
وعن ابن عياش قال لقيت عجوزاً من بني عذرة فقلت لها هل تروي شيئاً عن جميل ومحبوبته قالت نعم كنت يوماً وبثينة قد انفردت تبرم غزلاً والعرب قد اعتزلت الطريق خوف المارة إلى الشام وإذا برجل قد أقبل إلينا فاستثبتناه فإذا هو جميل فقلت له قد عرّضتنا ونفسك شراً فمن أين جئت، قال من هذه الهضبة ولي بها ثلاثة أنتظر الفرصة لأحدث بكم
عهداً فإني ذاهب إلى مصر فحدثنا ساعة وهو لا يتماسك فجئته بقدح فيه تمر واقط فنال منه يسيراً ثم ودع ومضى فلم نلبث أن جاء أهل الحي ومنه:
أرى كل معشوقين غيري وغيرها يلدان في الدنيا ويغتبطان
وأمشي وتمشي في البلاد كأننا أسيران للأعداء مرتهنان
أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها لي الويل مما يكتب الملكان
ضمنت لها أن لا أهيم بغيرها وقد وثقت مني بغير ضمان
ألا يا عباد اللّه قوموا لتسمعوا خصومة معشوقين يختصمان