مشاهد من إستباحة بيروت _جريدة المستقبل اللبنانيّة_
فادي شامية – المجتمع
النذر والمقدمات بدأت قبل أكثر من سنة. قال "حزب الله" وحلفاؤه حينها: إننا قادرون على تغيير المعادلة الداخلية بالقوة، وبظرف ساعات، عند اللزوم. بعض الناس لم يـُرد أن يصدّق أن "حزب الله" يدرّب ويسلّح مجموعات تابعة له في المناطق الأخرى لتقاتل في الداخل، خلافاً لوعد كرره أمينه العام السيد حسن نصر الله أكثر من مرة، فيما ركن آخرون إلى الجيش والقوى الأمنية الشرعية للدفاع عنهم.
في الثامن من أيار/مايو انهارت هذه الأوهام دفعة واحدة. لم تكن المجموعات التي أعدها "حزب الله" قادرة على معاكسة محيطها بالقوة. اضطر "حزب الله" للتدخل بمقاتليه الأشداء وسلاحهم المتطور. كان هؤلاء يواجهون الناس التي هبت للدفاع عن نفسها، ثم يسلّمون المناطق التي احتلوها إلى الميليشيات الأخرى من حلفائه.
سيطروا على مكاتب "تيار المستقبل" وأسروا عناصر حمايتها. أحرقوا ودمروا الجمعيات الأهلية والمراكز الاجتماعية والتعليمية والإعلامية التابعة لهذا التيار الذي يمثل الغالبية العظمى من السنة في لبنان. في هذا الوقت تحوّل إعلام "حزب الله" وحركة "أمل" الشيعيتين، إلى إعلام حربي هدفه تحطيم معنويات "العدو" وتصوير المعركة على غير واقعها من خلال تحكم إخباري شديد واستنجاد بالعمائم السنية التي لا تمثل إلا نفسها، ممن تلقى "المال النظيف" من "حزب الله".
"حزب الله"، ومعه الحزب السوري القومي وحركة "أمل" روّعوا الآمنين في بيروت. دخلوا إلى بيوت الناس بالقوة. أهانوا كراماتهم. قطعوا أوصال مدينتهم، وأحرقوا العديد من سياراتهم. لم يراعوا حرمة الدين ولا الوطن. قالوا إن كل شيء بات مباحاً من أجل المقاومة!.
في بيروت قـُتل الناس الأبرياء. قـُتل الشباب الذين حملوا السلاح على عجل للدفاع عن كراماتهم وأعراضهم. الداعية هيثم طبارة، أحد مؤسسي جمعية الاتحاد الإسلامي كان وعائلته من الضحايا. تماماً كما قتلوا الدكتور صابر القادري، المقاوم منذ الولادة، في صيدا، خلال استباحتها في اليوم التالي. بيوت كثيرة انتهكت حرمتها. شباب خطفوا، ضربوا، عذبوا، بعضهم عاد وبعضهم ما زال مصيره مجهولاً. حتى الأموات لم تسلم من حقدهم الأسود. أهالي الطريق الجديدة، معقل السنة في بيروت، لم يستطيعوا تشييع شهدائهم. أطلقوا النار على المشيعين أيضاً. قتلوا وجرحوا العشرات، حتى اضطر الناس إلى إنزال النعوش على الأرض والاحتماء ريثما يهدأ جنون النار.
بيروت جريحة، تنظر إلى صور بشار الأسد وقد عادت رغماً عنها باسم "أشرف الناس". أهل السنة فيها أهينوا في الطرقات وفي البيوت. أطلقوا النار عليهم وهم يقولون: "يا مهدي". بانت عبارات الحقد المذهبي من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.
ضحايا آخرون سقطوا، أولهم الاتحاد العمالي العام الذي دعا إلى إضراب سلمي ضد الغلاء فيما لم يكن في الحقيقة إلا واجهة لمشروع "حزب الله". نظرية بناء تيار "المستقبل" لميليشيا تدافع عن السنة سقطت أيضاً. رهان هذا الأخير على الجيش سقط أيضاً. الدعاية الكاذبة التي نسجها إعلام "حزب الله" على مدى سنتين من أن قوى الأمن الداخلي هي ميليشيا السنة سقطت أيضاً. بناء على ذلك كله، أعطى سعد الحريري أوامره إلى مناصرية بترك المكاتب وفتح المناطق أمام "الإنقلابيين" بلا قتال.
وحدها شوارع بيروت تحتفظ بالأحداث كاملة. جرح أهل السنة في لبنان عميق عميق. لطالما كانوا تواقين لممارسة المقاومة بسلاحهم، لكن ذلك كان وما يزال ممنوعاً عليهم من قبل النظام السوري، ثم من قبل القوة التي تحتكر المقاومة وتطلب من الناس أن يصفقوا لها فقط. ومع ذلك فقد دعموا المقاومة، وفتحوا بيوتهم للمهجرين من الجنوب في عدوان تموز 2006. لم يميزوا بين الناس على أساس مذهبي، وكعادتهم لم يحقدوا على أحد رغم معرفتهم أن "حزب الله" بات أداة النظام السوري الذي ظلمهم وأضعفهم لسنين. لقد خدعوا انفسهم طويلاً. لم يكونوا جاهزين لتصديق ما حصل. لقد قاوموا بما استطاعوا... لكن للحكاية جزء ثانٍ ستكتبه آلام النفوس المجروحة قريباً.
تحيّة للزميل فادي شامية على هذه الأسطر التي سبقتني دموعي وأنا أقرؤها...هي حقائق...هي وقائع...لكنه لبنان...لكنهم اللبنانيون الذين يصرون على الحياة...الذين يصمدون أمام الأزمات...ويتجاوزوا الصّعاب...فشكرا لك فادي ونحن في إنتظار الجزى الثاني من المقال...وألف ألف ألف تحيّة للبنان...وأقول لكم: إصبروا إصمدوا تعايشوا فكلكم واحد ولبنان موّحدكم...